مروج الذهب ومعادن الجوهر
مروج الذهب ومعادن الجوهر
وقد كان الهادي أرادا ان يخلع أخاه الرشيد من ولاية العهد، ويجعلها لابنه جعفر بن موسى، وحبس يحيى بن خالد البرمكي، وأرادا قتله، فقال له يحيى وكان القيم بأمر الرشيد: يا أمير المؤمنين، أرأيت ان كان ما أسال الله ان يعيذنا منه، وان لا يبلغناه، وينسأ في أجل أمير المؤمنين، أيظن ان الناس يسلمون لجعفربن أمير المؤمنين الأمر ولم يبلغ الحنث، ويرضون به لصلاتهم وحجهم وغزوهم. قال: ما اظن ذلك، قال: فثأمن أن يسموا إليها جلة أهل بيتك فتخرج من ولد أبيك إلى غيرهم. فتكون قد حملت الناس على النكث، وهونت عليهم أيمانهم، ولو تركت بيعة أخيك على حالها، وبويع لجعفر بعده كان آكد، فإذا بلغ مبلغ الرجال سألت أخاك أن يقدمه على نفسه، قال: نبهتني والله على أمر لم اكن قد أنتبهت له، ثم عزم بعد ذلك على خلعه رضي أم كره، وأمر بالتضييق عليه في الأكثر من أموره، فأشار عليه يحيى أن يستأذنه في الخورج إلى الصيد، وان يطيل التشاغل بذلك، فإن مدة موسى قصيرة على ما أوجبته قضية المولد، واستأذنه الرشيد، فأذن له، فسار إلى شاطىء الفرات من بلاد الأنبار وهيت، وتوسط البر مما يلي السماوة، وكتب الهادي إليه يأمره بالقدوم فأكثر الرشيد التعلل، وبسط الهادي لسانه في شتمه، وسنح للهادي الخروج نحو بلاد الحديثة، فمرض هناك، وانصرف وقد ثقل في العلة، فلم يجسر أحد من الناس على الدخول عليه إلاصغار الخدم، ثم أشار إليهم أن يحضروا الخيزران أمه، فصارت عند رأسه، فقال لها: أنا هالك في هذه الليلة، وفيها يلي أخي هارون، وأنت تعلمين ما قضى به أصل مولدي بالري، وقد كنت أمرتك بأشياء ونهيتك عن أخرى، مما اوجبته سياسة الملك، لا موجبات الشرع من برك، ولم اكن بك عاقا، بل كنت لك صائنا وبرا واصلا، ثم قضى قابضا على يدها، واضعا لها على صدره. وكان مولده بالري: وكذلك مولد هرون الرشيد، فكانت تلك الليلة فيها وفاة الهادي، وولآية الرشيد، ومولد المأمون.
الهادى ورجل ذو ذنوب
ويقال: إن الهادي أوقف بين يديه رجلا من أولياء الدولة ذا أجرام كثيرة، فجعل الهادي يذكره ذنوبه، فقال له الرجل: يا أمير المؤمنين، اعتذاري مما تقرعني به رد عليك، وإقراري بما ذكرت يوجب ذنبا علي، ولكني أقول:
فإن كنت ترجو في العقوبة راحة ... فلا تزهدن عند المعافاة في الأجر
فأطلقه ووصله.
بين الهادي والرشيد
وحدث عدة من الأخباريين من ذوي المعرفة بأخبار الدولة، أن موسى قال لهارون أخيه: كأنى بك تحدث نفسك بتمام الرؤيا، وتؤمل ما أنت عنه بعيد، ومن دون ذلك خرط القتاد، فقال له هارون: يا أمير المؤمنين من تكبر وضع، ومن تواضع رفع، ومن ظلم خذل، وإن وصل الأمر إلي وصلت من قطعت، وبررت من حرمت، وصيرت أولادك أعلى من أولادي، وزوجتهم بناتي، وقضيت بذلك حق الإمام المهدي، فأنجلى عن موسى الغضب، وبان السرور في وجهه، وقال: ذلك الظن بك يا أب جعفر، ادن مني، فقام هارون فقبل يده، ثم ذهب ليعود إلى مجلسه، فقال موسى: والشيخ الجليل، والملك النبيل، لا جلست إلا معي في صدر المجلس، ثم قال: يا خزاني! احمل إلى أخي الساعة ألف ألف دينار، فإذا فتح الخراج فاحمل إليه نصفه، فلما أرادا هارون الانصراف قدمت دابته إلى البساط.
رؤيا المهدي لولديه الهادي والرشيد
قال عمرو الرومي: فسألت الرشيد عن الرؤيا، فقال: قال المهدي: رأيت في منامي كأني دفعت إلى موسى قضيبا، وإلى هارون قضيبا، فأما قضيب موسى فأورق أعلاه قليلا: وأما قضيب هارون فأورق من أوله إلى آخره، فقص الرؤيا على الحكيم بن إسجاق الصيمري، وكان يعبرها، فقال له: يملكان جميعا، فأما موسى فتقل أيامه، وأما هارون فيبلغ أخر ما عاش خليفة، وتكون أيامه أحسن الأيام، ودهره احسن الدهور.
قال عمرو الرومي: فلما أفضت الخلافة إلى هارون زوج حمدونة ابنته من جعفربن موسى، وفاطمة من إسماعيل بن موسى، ووفى له ما وعده.
حاز الهادي سيف عمرو بن معد يكرب الصمصامة
المهدي موسى الهادي سيف عمرو بن معد يكرب الصمصامة فدعا به موسى بعد ما ولي الخلافة، فوضعه بين يديه، وملء مكتل دنإنير، وقال لحاجبه: ائذن للشعراء، فلما دخلوا أمرهم أن يقولوا في السيف، فبدأهم ابن يامين البصري فقال:
حاز صمصأمة الزبيدي عمرو ... من جميع الأنام موسى الأمين
سيف عمرو، وكان فيما سمعنا ... خيرما أغمدت عليه الجفون
اوقدت فوقه الصواعق نارا ... ثم شابت فيه الذعاف المنون
وإذا ما شهرته تبهر الشمس ... ضياء فلم تكد تستبين
وكأن الفرند والجوهر الجا ... ري في صفحتيه ماء معين
ما يبالي إذا الضريبة حانت ... أشمال سطت به أم يمين
صفحہ 497