436

مروج الذهب ومعادن الجوهر

مروج الذهب ومعادن الجوهر

وقدم أبو العباس الكوفة فيمن ذكرنا من أهل بيته سرا، والمسودة مع أبي سلمة بالكوفة، فأنزلهم جميعا دار الوليد بن سعد في بني أود حي من اليمن، وقد ذكرنا مناقب أود وفضائلها فيما سلف من هذا الكتاب في أخبار الحجاج، وبراءتهم من علي والطاهرين من ذريته، ولم أر إلى هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - فيما درت من الأرض وتغربت من الممالك رجلا من أود الا وجدته - إذا استبطنت ما عنده - ناصبيا متوليا لآل مروان وحزبهم. وأخفى أبو سلمة أمر أبي العباس ومن معه، ووكل بهم وكيلا، وكان قدوم أبي العباس الكوفة في صفر من سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وفيها جرى البريد بالكتب لولد العباس، وقد كان أبو سلمة لما قتل إبراهيم الإمام خاف انتقاض الأمر وفساده عليه، فبعث بمحمد بن عبد الرحمن بن أسلم وكان أسلم مولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكتب معه كتابين على نسخة واحدة إلى أبي عبد الله جعفربن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وإلى أبي محمد عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين، يدعو كل واحد منهما إلى الشخوص إليه. ليصرف الدعوة إليه، ويجتهد في بيعة أهل خراسان له، وقال للرسول: العجل العجل، فلا تكونن كوافد عاد، فقدم محمد بن عبد الرحمن المدينة على أبي عبد الله جعفربن محمد فلقيه ليلا، فلما وصل إليه أعلمه أنه رسول أبي سلمة، ودفع إليه كتابه، فقال له أبو عبد الله وما أنا وأبو سلمة. وأبو سلمة شيعة لغيري، قال: إني رسول، فتقرأ كتابه وتجيبه بما رأيت، فدعا أبو عبد الله بسراج ثم أخذ كتاب أبي سلمة فوضعه على السراج حتى احترق، وقال للرسول: عرف صاحبك بما رأيت، ثم أنشأ يقول متمثلا بقول الكميت بن زيد:

أيا موقدا نارا لغيرك ضوءها ... ويا حاطبا في غيرحبلك تحطب

فخرج الرسول من عنده وأتى عبد الله بن الحسن فدفع إليه الكتاب فقبله وقرأه وابتهج به، فلما كان من غد ذلك اليوم الذي وصل إليه فيه الكتاب ركب عبد الله حمارا حتى أتى منزل أبي عبد الله جعفربن محمد الصادق، فلما راه أبو عبد الله أكبر مجيئه، وكان أبو عبد الله أسن من عبد الله، فقال له: يا أبا محمد، أمر ما أتى بك، قال: نعم وهوأجل من أن يوصف، فقال: وما هو يا أبا محمد. قال: هذا كتاب أبي سلمة يدعوني إلى ما أقبله، وقد تقدمت عليه شيعتنا من أهل خراسان، فقال له أبو عبد الله: يا أبا محمد، ومتى كان أهل خراسان شيعة لك. أنت بعثت أبا مسلم إلى خراسان، وأنت أمرته بلبس السواد. وهؤلاء الذين قدموا العراق أنت كنت سبب قدومهم أو وجهت فيهم، وهل تعرف منهم أحدا. فنازعه عبد الله بن الحسن الكلام، إلى أن قال: إنما يريد القوم ابني محمدا لأنه مهدي هذه الأمة، فقال أبو عبد الله جعفر: والله ما هو مهدي هذه الأمة، ولئن شهر سيفه ليقتلن، فنازعه عبد الله القول، حتى قال له: والله ما يمنعك من ذلك الا الحسد، فقال أبوعبد الله: والله ما هذا نصح مني لك، ولقد كتب الي أبوسلمة بمثل ما كتب به اليك، فلم يجد رسوله عندي ما وجد عندك، ولقد أحرقت كتابه من قبل أن أقرأه، فانصرف عبد الله من عند جعفر مغضبا، ولم ينصرف رسول أبي سلمة إليه إلى أن بويع السفاح بالخلافة وذلك أن أبا حميد الطوسي دخل ذات يوم من المعسكر إلى الكوفة فلقي سابقا الخوارزمي في سوق الكناسة فقال له: اسابق، قال: سابق فسأله عن إبراهيم الإمام، فقال: قتله مروان في الحبس، وكان مروان يومئذ بحران، فمال أبو حميد: فإلى من الوصية، قال: إلى أخيه أبي العباس، قال: وأين هو، قال: معك بالكوفة هو وأخوه وجماعة من عمومته وأهل بيته، قال: مذ متى هم هنا، قال: من شهرين، قال: فتمضي بنا إليهم، قال: غدا بيني وبينك الموعد في هذا الموضع، وأراد سابق أن يستأذن أبا العباس في ذلك، فانصرف إلى أبي العباس فأخبره، فلامه إذ لم يأت به معه إليهم، ومضى أبو حميد فأخبر جماعة من قواد خراسان في عساكر أبي سلمة بذلك، منهم أبو الجهم وموسى بن كعب، وكان زعيمهم، وغدا سابق إلى الموضع، فلقي أبا حميد، فمضيا حتى دخلا على أبي العباس ومن معه فقال: أيكم الإمام، فأشار داود بن علي إلى أبي العباس، وقال: هذا لخيفتكم، فأكب على أطرافه يقبلها، وسلم عليه بالخلافة، وأبو سلمة لا يعلم بذلك، وأتاه وجوه القواد فبايعوه، وعلم أبو سلمة بذلك فبايعه، ودخلوا إلى الكوفة في أحسن زي، وضربوا له مصافا، وقدمت الخيول، فركب أبو العباس ومن معه حتى أتوا قصر الإمارة، وذلك في يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر سنة اثنتين وثلاثين ومائة.

صفحہ 459