416

مروج الذهب ومعادن الجوهر

مروج الذهب ومعادن الجوهر

وإنما ذكرنا هذا الخبر في هذا الموضع لقتل هشام زيد بن علي، وما نال هشاما من المثلة بما فعل بسلفه من الإحراق كفعله بزيد بن علي. وقد ذكر أبو بكر بن عياش وجماعة من الأخباريين أن زيدا مكث مصلوبا خمسين شهرا عريانا، فلم ير له أحد عورة، سترا من الله له، وذلك بالكناسة بالكوفة، فلما كان في أيام الوليد بن يزيد بن عبد الملك وظهر ابنه يحيى بن زيد بخراسان كتب الوليد إلى عامله بالكوفة: أن أحرق زيدا بخشبته، ففعل ذلك به، وأذرى رماده في الرياح على شاطىء الفرات.

فرق الزيدية من الشيعة

وقد أتينا في كتابنا المقالات، في أصول الديانات على السبب الذي من أجله سميت الزيدية بهذا الاسم، وأن ذلك بخروجهم مع زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، هذا، وقد قيل غير ذلك مما قد أتينا عليه فيما سلف من كتبنا، والخلاف بين الزيدية والإمامية، والفرق بين هذين المذهبين، وكذلك غيرهم من فرق الشيعة وغيرهم وقد ذكر جماعة من مصنفي كتب المقالات والآراء والديانات من آراء الشيعة وغيرهم كأبي عيسى محمد بن هارون الوراق وغيره، أن الزيدية كانت في عصرهم ثماني فرق: أولها الفرقة المعروفة بالجارودية وهم أصحاب أبي الجارود زياد بن المنذر العبدي، وذهبوا إلى أن الإمامة مقصورة في ولد الحسن والحسين، دون غيرهما، ثم الفرقة الثانية المعروفة بالمرئية، ثم الفرقة الثالثة المعروفة بالأبرقية، ثم الفرقة الرابعة المعروفة باليعقوبية، وهم أصحاب يعقوب بن علي الكوفي، ثم الفرقة الخامسة المعروفة بالعقبية، ثم الفرقة السادسة المعروفة بالأبترية، وهم أصحاب كثير الأبتر والحسن بن صالح بن يحيى، ثم الفرقة السابعة المعروفة بالجريرية، وهم أصحاب سليمان بن جرير، ثم الفرقة الثامنة المعروفة باليمانية، وهم أصحاب محمد بن اليمان الكوفي، وقد زاد هؤلاء في المذهب، وفرعوا مذاهب على ما سلف من أصولهم، وكذلك فرق أهل الإمامة فكانوا على ما ذكر من سلف من أصحاب الكتب ثلاثا وثلاثين فرقة، وقد ذكرنا تنازع القطيعية بعد مضي الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وما قالت الكيسانية، وما تباينت فيه وغيرها من سائر طوائف الشيعة، وهم ثلاث وسبعون فرقة، دون ما تباينوا فيه من التفريع، وتنازعوا فيه من التأويل، والغلاة أيضا ثمان فرق: المحمدية منهم أربع، والمعتزلة أربع، وهم العلوية، ولولا أن كتابنا هذا كتاب خبر لبسطنا من مذاهبهم ووصفنا من آرائهم ما تقدم قبلنا وحدث في وقتنا هذا، وما قالوه من دلائل ظهور المنتظر الموعود بظهوره، وما ذهب إليه كل فريق منهم في ذلك من أصحاب الدور والسرو والتشريق، وغيرهم من أهل الإمامة.

بين هشام ورجل من أهل حمص

وعرض هشام يوما الجند بحمص، فمربه رجل من أهل حمص على فرس نفور، فقال له هشام: ما حملك على أن تربط فرسا نفورا، فقال الحمصي: لا والرحمن الرحيم يا أمير المؤمنين، ما هو بنفور، ولكنه أبصر حولتك فظن أنها عين غزوان البيطار، فقال له هشام: تنخ فعليك وعلى فرسك لعنة الله، وكان عزوان البيطار نصرانيا ببلاد حمص كأنه هشام في حولته وكشفته.

هشام والأبرش الكلبي وجارية من جواري هشام

وبينما هشام ذات يوم جالسا خاليا وعنده الأبرش الكلبي إذ طلعت وصيفة لهشام عليها حلة، فقال للأبرش: مازحها، فقال لها الأبرش هبي لي حلتك، فقالت له: لأنت أطمع من أشعب، فقال لها هشام: ومن أشعب؟ فقالت: كان مضحكا بالمدينة، وحدثته بعض أحاديثه، فضحك هشام، وقال: اكتبوا إلى إبراهيم بن هشام وكان عامله على المدينة في حمله إلينا، فلما ختم الكتاب أطرق هشام طويلا، ثم قال: يا أبرش، هشام يكتب إلى بلد رسول صلى الله عليه وسلم ليحمل إليه منه مضحك؟ لاها الله، ثم تمثل:

إذا أنت طاوعت الهوى قادك الهوى ... إلى بعض ما فيه عليك مقال

وأوقف الكتاب.

أمثلة من بخل هشام

صفحہ 439