405

مروج الذهب ومعادن الجوهر

مروج الذهب ومعادن الجوهر

فلما بلغ سليمان ذلك وجه إلى خالد من ضربه مائة سوط، فقال الفرزدق في ذلك أبيات: لعمري لقد صبت على ظهر خالد ... شآ بيب ليست من سحاب ولاقطر

أتضرب في العصيان من ليس عاصيا ... وتعصي أمير المؤمنين أخا قسر

فلولا يزيد بن المهلب حلقت ... بكفك فتخاء إلى الفرخ في الوكر

لعمري لقد سارابن شيبة سيرة ... أرتك نجوم الليل مظهرة تجري

فخذ بيديك الخزي حقا، فإنما ... جزيت قصاصا بالمرجرجة السمر

بين سليمان وعمر بن عبد العزيز

وقال سليمان لعمر بن عبد العزيز يوما وقد أعجبه سلطانه: كيف ترى ما نحن فيه، قال: سرور لولا أنه غرور، وحياة لولا أنه موت، وملك لولا أنه هلك، وحسن لولا أنه حزن، ونعيم لولا أنه عذاب أليم، فبكى سليمان من كلامه.

سليمان على الضد من الوليد

وكان سليمان بخلاف الوليد، وعلى الضد منه في الفصاحة االبلاغة، وقد كان الوليد أفسد في أرض لعبد الله بن يزيد بن معاوية، فشكا ذلك أخوه خالد بن يزيد إلى عبد الملك، فقال له عبد الملك: إن الملوك إذا دخلوا قريه أفسدوها الآية فقال له خالد: " وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها " الآية، فقال عبد الملك: أفي عبد الله تتكلم وبالأمس دخل علي فغير في لسانه ولحن في كلامه، فقال: أفعلى الوليد تعول. قال: إن كان الوليد يلحن فسليمان أخوه، قال خالد: وإن كان عبد الله لحانا فأخوه خالد، فقال الوليد: أتتكلم ولست في العير ولا في النفير، قال خالد: ألم تسمع ما يقول أمير المؤمنين، أنا والله ابن العير والنفير، ولو قلت جبيلات وغنيمات والطائف ورحم الله عثمان، قلنا: صدقت، أراد بذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، نفى الحكم بن أبي العاص إلى الطائف فصار راعيا حتى رده عثمان.

غضب سليمان على خالد القسري

غضب سليمان على خالد القسري، فلما دخل عليه قال: يا أمير المؤمنين، إن القدرة تذهب الحفيظة، وإنك تجل عن العقوبة، فإن تعف فأهل لذلك أنت، وإن تعاقب فأهل ذلك أنا، فعفا عنه.

وذم رجل في مجلس سليمان الكلام، فقال سليمان: إنه من تكلم فأحسن قدر على أن يصمت فيحسن وليس من صمت فأحسن قدر على أن تكلم فيحسن.

ووقف سليمان على قبر ولده أيوب وبه كان يكنى، فقال: اللهم إني أرجوك له، وأخافك عليه فحقق رجائي، وآمن خوفي.

بعض الكتاب ينعى سليمان

قال المسعودي: ولما دفن سليمان سمع بعض كتابه وهو يقول أبياتا منها:

وما سالم عما قليل بسالم ... وإن كثرت أحراسه وكتائبه

ومن يك ذا بأس شديد ومنعة ... فعما قليل يهجر الباب حاجبه

ويصبح بعد الحجب للناس مقصيا ... رهينة بيت لم تستر جوانبه

فما كان إلا الدفن حتى تفرقت ... إلى غيره أحراسه ومواكبه

واصبح مسرورا به كل كاشح ... وأسلمه أحبابه وأقاربه

فنفسك أكسبها السعادة جاهدا ... فكل امرىء رهن بما هوكاسبه

قال المسعودي: ولسليمان أخبار حسان لما كان في مدة ملكه من الكوائن، وقد أتينا على مبسوط ذلك في كتابينا أخبار الزمان والأوسط، وإنما نذكر في هذا الكتاب لمعا طلبا للإيجاز، وميلا إلى الإختصار، وبالله التوفيق.

ذكر خلافة عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم

صفحہ 427