مروج الذهب ومعادن الجوهر
مروج الذهب ومعادن الجوهر
حدثنا أبو جعفر محمد بن سليمان بن داود البصري المنقري، قال: حدثني ابن عائشة وغيره قال: سمعت أبي يقول: لما غلبت الخوارج على البصرة بعث إليهم عبد الملك جيشا فهزموه ثم بعث إليهم آخر فهزموه فقال: من للبصرة والخوارج. فقيل له: ليس لهم إلا المهلب بن أبي صفرة، فبعث إلى المهلب، فقال: على أن لي خراج ما أجليتهم عنه، قال: إذن تشركني في ملكي، قال: فثلثاه، قال: لا، قال: فنصفه، والله لا أنقص منه شيئا، على أن تمدني بالرجال، فإذا أخللت فلا حق، لك علي، فجعلوا يقولون: ولى عبد الملك على العراق رجلا ضعيافا، وجعل يقول: بعثت المهلب حتى يحارب الخوارج فركب دجلة، ثم كتب إلى المهلب إلى عبد الملك: إنه ليس عندي رجال أقاتل بهم، فإما بعثت إلي بالرجال وإما خليت بينهم وبين البصرة، فخرج عبد الملك إلى أصحابه فقال: ويلكم! من للعراق؟ فسكت الناس وقام الحجاج وقال: أنا لها، قال: اجلس، ثم قال: ويلكم!! من للعراق. - فصمتوا، وقام الحجاج وقال: أنا لها، قال: اجلس، ثم قال ويلكم للعراق؟ فصمتوا، وقام الحجاج الثالثة فقال: والله أنا لها يا أميرالمؤمنين، قال: أنت زنبورها فكتب إليه عهده، فلما بلغ القادسية أمر الجيش أن يقبلوا وأن يروحوا وراءه، ودعا بجمل عليه قتب، فجلس عليه بغير حشية ولا وطاء، وأخذ الكتاب بيده، ولبس ثياب السفر، وتعمم بعمامته حتى دخل الكوفة وحده، فجعل ينادي: الصلاة جامعة، وما منهم رجل جالس في مجلسه إلا ومعه العشرون والثلاثون وأكثر من ذلك من أهله ومواليه وصعد المنبر متلثما متنكبا قوسه، فجلس واضعا إبهامه على فيه فقال بعضهم لبعض: قوموا حتى نحصبه فدخل محمد بن عمير الدارمي في مواليه، فلما رأى الحجاج جالسا على المنبر لا يجيب ولا ينطق قال: لعن الله بني أمية حين يولون العراق مثل هذا، لقد ضيع الله العراق حيث يكون مثل هذا عليها، ثم ضرب بيده إلى حصباء المسجد ليحصبه، وقال: والله لو وجدوا أذم من هذا لبعثوه إلينا، فلما هم أن يحصبه قال له بعض أهل بيته: أصلحك الله اكفف عن الرجل حتى نسمع ما يقول، فمن قائل يقول: حصر الرجل فما يقدر على الكلام، ومن قائل يقول: أعرابي ما أبصر حجته.
خطبة الحجاج مقدمه العراق
فلما غص المسجد بأهله حسر اللثام عن وجهه ثم قام، ونحى العمامة عن رأسه، فوالله ما حمد الله ولا أثنى عليه، ولا صلى على نبيه، وكان أول ما بدأهم به أن قال: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني إني والله لأرى أبصارا طامحة، وأعناقا متطاولة، ورؤوسا قد أينعت وحان قطافها، وإني أنا صاحبها، كإني أنظر إلى الدماء ترقرق بين العمائم واللحى:
هذا أوان الحرب فاشتدي زيم ... قد لفها الليل بسواق حطم
ليس براعي إبل ولاغنم ... ولابجزار على ظهر وضم
وقال:
قد لفها الليل بعصلبي ... أروع خراج من الدوي
مهاجر ليس بأعرابي
قد شمرت عن ساقها فكدوا ... وجدت الحرب بكم فجدوا
والقوس فيها وتر عرد ... مثل ذراع البكرأوأشد
إن أمير المؤمنين نثر كنانته، فوجدني أمرها طعما، وأحدها سنانا، وأقواها قداحا، فإن تستقيموا تستقم لكم الأمور، وإن تأخنوا لي بنيات الطريق تجدوني لكل مرصد مرصدا، والله لا أقيل لكم عثرة، ولا أقبل منكم عذرة.
يا أهل العراق، يا أهل الشقاق والنفاق ومساوىء الأخلاق، والله ما أغمز كتغماز التين ولا يقعقع لي بالشنان ولقد فررت عن ذكاء، وفتشت عن تجربة والله لألحونكم لحو العود، ولأعصبنكم عصب السلمة، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل ولأقرعنكم قرع المروة.
يا أهل العراق، طالما سعيتم في الضلالة، وسلكتم سبيل الغواية، وسننتم سنن السوء، وتماديتم في الجهالة، يا عبيد العصا وأولاد الإماء، أنا الحجاج بن يوسف، إني والله لا أعد إلا وفيت، ولا أخلق إلا وفييت، فإياكم وهذه الزرافات والجماعات، وقال وقيل، وما يكون وما هو كائن، وما أنتم وذاك يا بني اللكيعة. لينظر الرجل في أمر نفسه، وليحذر أن يكون من فرائسي.
يا أهل العراق، إنما مثلكم كما قال الله عز وجل: " كمثل قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف " الآية فأسرعوا واستقيموا، واعتدلوا ولا تميلوا، وشايعوا وبايعوا واخضعوا، واعلموا أنه ليس مني الإكثار والإهذار، ولا منكم الفرار والنفار، إنما هو انتضاء السيف، ثم لا أغمده في شتاء ولا صيف، حتى يقيم الله لأمير المؤمنين أودكم، ويذل له صعبكم.
إني نظرت فوجدت الصدق مع البر، ووجدت البر في الجنة، ووجدت الكذب مع الفجور، ووجدت الفجور في النار.
ألا وإن أمير المؤمنين أمرني لإعطائكم أعطياتكم وإشخاصكم إلى محاربة عدوكم مع المهلب، وقد أمرتكم بذلك، وأجلت لكم ثلاثا، وأعطيت الله عهدا يؤاخذني به ويستوفيه مني أن لا أجد أحدا من بعث المهلب بعدها إلا ضربت عنقه، وانتهبت ماله، يا غلام اقرأ عليهم كتاب. أمير المؤمنين.
صفحہ 404