مروج الذهب ومعادن الجوهر
مروج الذهب ومعادن الجوهر
أهل المدينة وعمال يزيد ولما شمل الناس جور يزيد وعماله، وعمهم ظلمه، وما ظهر من فسقه: من قتله ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنصاره، وما أظهر من شرب الخمور، وسيره سيرة فرعون، بل كان فرعون أعدل منه في رعيته، وأنصف منه لخاصته وعامته، أخرج أهل المدينة عامله عليهم - وهو عثمان ابن محمد بن أبي سفيان - ومروان بن الحكم، وسائر بني أمية، وذلك عند تنسك ابن الزبير وتألهه، وإظهار الدعوة لنفسه، وذلك في سنة ثلاث وستين، وكان إخراجهم لما ذكرنا من بني أمية وعامل يزيد عن إذن ابن الزبير، فاغتنمها مروان منهم، إذ لم يقبضوا عليهم ويحملوهم إلى ابن الزبير، فحثوا السير نحو الشام، ونمى فعل أهل المدينة ببني أمية وعامل يزيد إلى يزيد، فسير إليهم بالجيوش من أهل الشام عليهم مسلم بن عقبة المري الذي أخاف المدينة ونهبها، وقتل أهلها، وبايعه أهلها على أنهم عبيد ليزيد، وسماها نتنة، وقد سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم، طيبة، وقال: من أخاف المدينة أخاف الله فسمى مسلم هذا لعنه الله بمجرم ومسرف، لما كان من فعله، ويقال: إن يزيد حين جرد هذا الجيش وعرض عليه أنشأ يقول:
أبلغ أبا بكر إذا الأمر انبرى ... وأشرف القوم على وادي القرى
أجمع السكران من قوم ترى
يريد بهذا القول عبد الله بن الزبير، وكان عبد الله يكنى بأبى بكر، وكان يسمى يزيد السكران الخمير، وكتب إلى ابن الزبير:
أدعو إلهك في السماء فأنني ... أدعو عليك رجال عك وأشعر
كيف النجاة أبا خبيب منهم ... فاحتل لنفسك قبل أتي العسكر
وقعة الحرة
ولما انتهى الجيش من المدينة إلى الموضع المعروف بالحرة وعليهم مسرف خرج إلى حربه أهلها عليهم عبد الله بن مطيع العدوي وعبد الله بن حنظلة الغسيل الأنصاري، وكانت وقعة عظيمة قتل فيها خلق كثير من الناس من بني هاشم وسائر قريش والأنصار وغيرهم من سائر الناس؟ فممن قتل من آل أبي طالب اثنان: عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وجعفر بن محمد بن علي بن أبي طالب، ومن بني هاشم من غيرآل أبي طالب: الفضل بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وحمزة بن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، والعباس بن عتبة بن أبي لهب بن عبد المطلب، وبضع وتسعون رجلا من سائر قريش، ومثلهم من الأنصار، وأربعة آلاف من سائر الناس ممن أدركه الإحصاء دون من لم يعرف.
وبايع الناس على أنهم عبيد ليزيد، ومن أبى ذلك أمره مسرف على السيف، غير علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب السجاد، وعلي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، وفي وقعة الحرة يقول محمد بن أسلم:
فإن تقتلونا يوم حرة واقم ... فنحن على الإسلام أول من قتل
ونحن تركناكم ببدر أذلة ... وأبنا بأسياف لنا منكم تفل
ونظر الناس إلى علي بن الحسين السجاد وقد لاذ بالقبر وهو يدعو، فأتي به إلى مسرف وهو مغتاظ عليه، فتبرأ منه ومن آبائه، فلما رآه وقد أشرف عليه ارتعد ، وقام له، وأقعده إلى جانبه، وقال له: سلني حوائجك، فلم يسأله في أحد ممن قدم إلى السيف إلا شفعه فيه، ثم انصرف عنه، فقيل لعلي: رأيناك تحرك شفتيك، فما الذي قلت. قال: قلت: اللهم رب السموات السبع وما أقللن، والأرضين السبع وما أقللن، رب العرش العظيم، رب محمد وآله الطاهرين، أعوذ بك من شره، وأدرأ بك في نحره، أسألك أن تؤتيني خيره، وتكفيني شره، وقيل لمسلم: رأيناك تسب هذا الغلام وسلفه، فلما أتى به إليك رفعت منزلته، فقال: ما كان ذلك لرأي مني، لقد ملىء قلبي منه رعبا.
وأما علي بن عبد الله بن العباس فإن أخواله من كندة منعوه منه، وأناس من ربيعة كانوا في جيشه، فقال علي في ذلك:
أبي العباس قرم بني لؤي ... وأخوالي الملوك بنو وليعه
هم منعوا ذماري يوم جاءت ... كتائب مسرف وبني اللكيعة
صفحہ 378