مروج الذهب ومعادن الجوهر
مروج الذهب ومعادن الجوهر
وحدث أبو جعفر محمد بن حبيب، قال: أخبرنا أبو الهيثم يزيد بن رجاء الغنوي، قال: أخبرنا الوليد بن البختري، عن أبيه، عن ابن مردوع الكلبي قال: دخل صعصعة بن صوحان العبدي على معاوية فقال له: يا ابن صوحان أنت ذو معرفة بالعرب وبحالها، فأخبرني عن أهل البصرة، وإياك والحمل على قوم لقوم، قال: البصرة واسطة العرب، ومنتهى الشرف والسؤدد، وهم أهل الخطط في أول الدهر وآخره، وقد دارت بهم سروات العرب كدوران الرحا على قطبها، قال: فأخبرني عن أهل الكوفة، قال: قبة الإسلام، وذروة الكلام، ومظان ذوي الأعلام، إلا أن بها أجلافا تمنع ذوي الأمر الطاعة، وتخرجهم عن الجماعة، وتلك أخلاق ذوي الهيئة والقناعة، قال: فأخبرني عن أهل الحجاز، قال: أسرع الناس إلى فتنة، وأضعفهم عنها، وأقلهم غناء فيها، غير أن لهم ثباتا في الدين، وتمسكا بعروة اليقين، يتبعون الأئمة الأبرار، ويخلعون الفسقة الفجار، فقال معاوية: من البررة والفسقة؟ فقال: يا ابن أبي سفيان، ترك الخداع من كشف القناع، علي وأصحابه من الأئمة الأبرار، وأنت وأصحابك من أولئك، ثم أحب معاوية أن يمضي صعصعة في كلامه بعد أن بان فيه الغضب، فقال: أخبرني عن القبة الحمراء في ديار مضر، قال: أسد مضر بسلان بين غيلين، إذا أرسلتها افترست، وإذا تركتها احترست، فقال معاوية: هنالك يا ابن صوحان العز الراسي، فهل في قومك مثل هذا. قال: هذا لأهله دونك يا ابن أبي سفيان، ومن أحب قوما حشر معهم. قال: فأخبرني عن ديار ربيعة ولا يستخفنك الجهل وسابقة الحمية بالتعصب لقومك. قال: والله ما أنا عنهم براض، ولكني أقول فيهم وعليهم: هم والله أعلام الليل، وأذناب في الدين والميل لن تغلب رايتها إذا رسخت، خوارج الدين، برازخ اليقين، من نصروه فلج، ومن خذلوه زلج، قال: فأخبرني عن مضر، قال: كنانة العرب، ومعدن العز والحسب، يقذف البحر بها آذيه، والبر دريه، ثم أمسك معاوية، فقال له صعصعة: سل يا معاوية وإلا أخبرتك بما تحيد عنه، قال: وما ذاك يا ابن صوحان؟ قال: أهل الشام، قال: فأخبرني عنهم، قال: أطوع الناس لمخلوق وأعصاهم للخالق، عصاة الجبار، وخلفة الأشرار، فعليهم الدمار، ولهم سوء الدار، فقال معاوية: والله يا ابن صوحان إنك لحامل مديتك " منذ أزمان، إلا أن حلم ابن أبي سفمان يرد عنك، فقال صعصعة: بل أمر الله وقدرته، إن أمر الله كان قدرا مقدورا.
وحدث أبو الهيثم قال: حدثني أبو البشير محمد بن بشر الفزاري، عن إبراهيم بن عقيل البصري، قال: قال معاوية يوما - وعنده صعصعة وكان قدم عليه بكتاب علي وعنده وجوه الناس - : الأرض لله، وأنا خليفة الله، فما آخذ من مال الله فهو لي، وما تركت منه كان جائزا لي، فقال صعصعة:
تمنيك نفسك مالايكو ... ن جهلامعاوي لاتأثم
فقال معاوية: يا صعصعة، تعلمت الكلام، قال: العلم بالتعلم، ومن لا يعلم يجهل، قال معاوية: ما أحوجك إلى أن أذيقك وبال أمرك! قال: ليس ذلك بيدك، ذلك بيد الذي لا يؤخر نفسا إذا جاء أجلها، قال: ومن يحول بيني وبينك. قال: الذي يحول بين المرء وقلبه، قال معاوية: اتسع بطنك للكلام كما اتسع بطن البعير للشعير، قال: اتسع بطن من لا يشبع، ودعا عليه من لا يجمع.
من أخبار صعصعة
قال المسعودي: ولصعصعة بن صوحان أخبار حسان، وكلام في نهاية البلاغة والفصاحة والإيضاح عن المعاني، على إيجاز واختصار.
ومن ذلك خبره مع عبد الله بن العباس، وهو ما حدث به المدائني، عن زيد بن طليح الذهلي الشيباني، قال: أخبرني أبي، عن مصقلة بن هبيرة الشيباني، قال: سمعت صعصعة بن صوحان وقد سأله ابن عباس: ما السؤدد فيكم؟ نقال: إطعام الطعام، ولين الكلام، وبذل النوال، وكف المرء نفسه عن السؤال، والتودد للصغير والكبير، وأن يكون الناس عندك شرعا، قال: فما المروءة. قال: أخوان اجتمعا فإن لقيا قهرا حارسهما قليل، وصاحبهما جليل، يحتاجان إلى صيانة " مع نزاهة وديانة، قال: فهل تحفظ في ذلك شعرا قال: نعم، أما سمعت قول مرة بن ذهل ابن شيبان حيث يقول:
صفحہ 367