مروج الذهب ومعادن الجوهر
مروج الذهب ومعادن الجوهر
ووقف على علي سائل، فقال للحسن: قل أمك تدفع إليه درهما، فقال: إنما عندنا ستة دراهم للدقيق، فقال علي: لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يكون بما في يد الله أوثق منه بما في يده، ثم أمر للسائل بالستة الدراهم كلها، فما برح علي رضي الله عنه حتى مر به رجل يقود بعيرا؛ فاشتراه منه بمائة وأربعين درهما، وأنسأ أجلة ثمانية أيام، فلم يحل أجله حتى مر به رجل والبعير معقول فقال: بكم هذا؟ فقال: بمائتي درهم، فقال: قد أخذته، فوزن له الثمن، فدفع علي منه مائة وأربعين درهما للذي ابتاعه منه، ودخل بالستين الباقية على فاطمة عليها السلام، فسألته: من أين هي؟ فقال: هذه تصديق لما جاء به أبوك صلى الله عليه وسلم: " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها " . ومر ابن عباس بقوم ينالون من علي وشبونه، فقال لقائده: أدنني منهم، فأدناه، فقال: أيكم الساب الله؟ قالوا: نعوذ بالله أن نسب الله، فقال: أيكم الساب صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: نعوذ بالله أن نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أيكم الساب علي بن أبي طالب؟ قالوا: أما هذه فنعم، قال: أشهد لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من سبني فقد سب الله، ومن سب عليا فقد سبني " فأطرقوا، فلما ولى قال لقائدة: كيف رأيتهم؟ فقال:
نظروا إليك بأعين مزوزة ... نظر التيوس إلى شفار الجازر
فقال: زدني فداك أبي وامي، فقال:
خزر العيون منكسي أذقانهم ... نظر الذليل إلى العزير القاهر
قال: زدني فداك أبي وامي، قال: ما عندي مزيد، قال: ولكن عندى:
أحياؤهم تجني على أمواتهم ... والميتون فضيحة للغابر
وصيته يوم موته
وقد ذكر جماعة من أهل النقل عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي بن الحسين بن علي أن عليا قال في صبيحة الليلة التي ضربه فيها عبد الرحمن بن ملجم، بعد حمد الله والثناء عليه والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم: كل امرئ ملاقيه ما يفر منه، والأجل تساق النفس إليه، والهرت منه موافاته، كم اطردت الأيام أتحينها عن مكنون هذا الأمر فأبى الله عز وجل إلا إخفاءه، هيهات علم مكنون، أما وصيتي فالله لا تشركوا به شيئا، ومحمدا لا تضيعوا سنته، أقيموا هذين العمودين، حمل كل امرئ منكم مجهوده، وخفف عن الحملة رب رحيم، ودين قويم، وإمام عليم، كنا في إعصار ذي رياح تحت ظل غمامة اضمحل راكدها فمحطها من الأرض حيا، وبقي من بعدي جنة جأواء، ساكنة بعد حركة، كاظمة بعد نطق، ليعظكم هدوئي وخفوت أطرافي، إنه أوعظ لكم من نطق البليغ، ودعتكم وداع امرئ مرصد لتلاق، وغدا ترون ويكشف عن ساق، عليكم السلام إلى يوم المرام، كنت بالأمس صاحبكم واليم عظة لكم وغدا أفارقكم، إن أفق فأنا ولي دمي، وإن أمت فالقيامة ميعادي، والعفو أقرب للتقوى، ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم.
تزهده في الدنيا
ومن خطبة قبل هذا وتزهده في هذه الدنيا قوله في بعض مقامات وخطبه: إن الدنيا قد أدبرت وأذنت بوداع، وإن الآخرة قد أشرفت وأقبلت باطلاع، وإن المضمار اليوم والسباق غدا، ألا إنكم في أيام أمل من ورائه أجل، فمن أخلص في أيام أمله قبل حضور أجله فقد حسن عمله وما قصر أجله، ومن قصر في أيام أجله خسر أجله، ألا فاعملوا لله في الرغبة، كما تعملون في الرهبة، ألا وإني لم أر كالجنة نام طالبها، و كالنار نام هاربها، ألا إنه من لم ينفعه الحق يضره الباطل، ومن لا يستقيم له الهدى يخزيه الضلال وقد أمرتم بالظعن ودللتم على الزاد وإن أخوف ما أخاف عليكم إتباع الهوى وطول الأمل.
وفضائل علي ومقاماته ومناقبه ووصف زهده ونسكه أكثر من أن يأتي عليه كتابنا هذا أو غيره من الكتب، أو يبلغه إسهاب مسهب، أو إطناب مطنب، وقد أتينا على جمل من أخباره وزهده وسيره، وأنواع من كل أمه وخطبه في كتابنا المترجم بكتاب حدائق الأذهان، في أخبار آل محمد عليه السلام وفي كتاب مزاهر الأخبار، وطرائف الآثار، للصفوة النورية والذرية الزكية أبواب الرحمة وينابيع الحكمة.
فضائله رضي الله عنه
صفحہ 345