مروج الذهب ومعادن الجوهر
مروج الذهب ومعادن الجوهر
قد ذكرنا فيما سلف من كتبنا جملا من تباين الناس في بدء العالم، ممن أثبت حدوثه ونفاه، وما جرت الآراء بهم فيه إلى جهات شتى، وقد أخبرنا أنهم طوائف الهند وفرق من اليونانيين، ومن وافقهم على القول بالقدم من الفلكيين والطبيعيين، وما أوردته الفلكية من وقلها: إن الركة الصانعة للأشخاص المحلة فيها الأرواح متى قطعت المسافة التي بين العقدة - التي ابتدأت منها، حتى تنتهي إليها راجعة، ثم تنفصل عنها - أعادت كل ما بدأت به أولا كهيئته وأشخاصه وصوره وضروب أشكاله؛ إذ كانت العلة والسبب اللذان بوجودهما توجد الأشياء قد وجدا عودا كما وجدا بدءا، فوجب ظهور الأشياء مي عادت إلى المبدأ الذي كان عنه الصدر، ثم ما تعقب هذا القول من قول الطبيعيين: إن علة كون الأشياء الجسمانية والنفسانية من قبل حركات الطبائع واختلاطها؛لأن الطبيعة عندهم تحركت في بدؤها واختلطت فظهر الحيوان والنبات وسائر الموجودات في العالم، وجعلت لها أصلا من التناسل، لما عجزت عن تبقية أشخاص وعدلت إلى النسل، وإن الطبائع تنتقل من مركب إلى بسيط، ومن بسيط إلى مركب، حتى إذا أدى المركب كنه ما فيه عادت الأشياء إلى البسيط إلى، وابتدأ الكون مارا على طريقه؛ لأن الذي أوجبه أولا قد وجد، فحقه أن يوجد منه بوجود المعنى الذي أوجده، فظهر ذلك الظهور، كالنبات في الربيع، وتحرك قوته تحت الثرى، وذلك أن الشمس تبلغ في الربيع إلى رأس الحمل، بادئه في شرفها، آخذة في ممرها، وهي العلة الكبرى في إحياء النبات ويأخذ الثمر في الظهور من الشجر بادئا كما كان ظاهرأ بالمثال الأول الذي قد باد في الشتاء ويبسه ويردة، لأن علة الكون الحرارة والرطوبة وعلة لفساد البرد واليبس، فإذا انتقلت الأشياء ممن الحرارة والرطوبة إلى البرد واليبوسة فارقت الكون المتمم ودخلت الفساد، فإذ انتهى بها الفساد إلى غايته وأوصلها إلى نهايته عاقبها الكون بوصول الشمس إلى رأس الحمل، فبدأ بها كعادته في إنشائها، وأبرزها من خساسة الفساد إلى نفاسة الكون، ولو كانت الحواس تضبط شأن الأجسام وتحيط بانتقالها من حال إلى حال لشاهدت ممرها في دائرة الزمان، ومبتدئة من رتبة؛راجعة إليها، مشكلة في محيط الدائرة بأشكال توافق بعضها، والشكول مختلفة باختلاف العلل، متفرقة كاختلاف الأسباب، وفي هذا القول من هذه الطائفة ماورح بالقول بالقدم وأبان عنه.
عليل على حدوث العالم
وقضية الفحص توجب أن الأشياء الموجودة غير خالية من إحدى المنزلتين: إما أن يكون بدء وانتهاء، وإما أن يكون بلا بدء ولا انتهاء، فإن كان بلا بدء ولا انتهاء فواجب أن تكون أجزاؤها وأبعادها غير متناهية، وواجب أن يكون الزمان غير عاد لها ولا حاصر لجميعها، وقد وجدنا التناهي والابتداء في أجزائها وأبعادها على الدوام، وأنا في كل يوم جديد نعاين خلقا جديدا، وصورا في العالم لم تكن وصورا بادئة قد كانت متأثلة، وفي هذا ما يدل على حصر الأشياء ووقوعها في غاية انتهاء صورها، وواجب أن للأشياء بدءا وانتهاء، وبطل وهم المتوهم أن الأشياء بلا نهاية؛وأن ليس لها ابتداء ولا غاية، وذلك باطل ومحال فاسد، ولو وجب أن تكون الأشياء الموجودة بلا بدء ولا نهاية لوجب أن لا يزول شيء من مركزه، ولا يتحول عن رتبته، ولبطلت الاستحالة، وسقطت المضادة، وهذا مستحيل، ولو وجب أن تكون الأشياء على غير نهاية، لما كان لقولنا اليوم وأمس وغدا معنى؛لأن هذه الأزمان تعد ما هو بالنهاية، ويوجد في حوزتها إيجاد ما لم يكن وإدخالها في حوزتها ما هو كائن.
وفيما ذكرنا ما أوضح عن تنقل شأن المعاني، ودل على حدوث الأجسام، وهذه الدلالة مأخوذة من الحس، ومستظهرة للعقول والبحث.
المحدث للعالم
صفحہ 274