مختصر التبيين لهجاء التنزيل
مختصر التبيين لهجاء التنزيل
ناشر
مجمع الملك فهد
پبلشر کا مقام
المدينة المنورة
- أ -
[الجزء الأول]
مقدمة
بقلم معالي الشيخ: صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ
وزير الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد
المشرف العام على المجمع
الحمد لله رب العالمين، أنزل كتابه العزيز، وتكفّل بحفظه إلى يوم الدين.
والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد:
فإنه يسر وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد في المملكة العربية السعودية ممثلة في مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة النبوية أن تضع بين يدي الباحثين والمشتغلين بعلوم القرآن الكريم كتاب «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» للإمام أبي داود سليمان بن نجاح المتوفى ٤٩٦ هـ الذي تم إخراجه ونشره بالتعاون العلمي المثمر بين الوزارة، ممثلة في مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة، ومركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، وقد بذل الجانبان جهودا طيبة في تقويم الكتاب وتصحيحه وطباعته.
وموضوع هذا الكتاب هو رسم المصحف العثماني، وبيان هجائه الذي كتبت به المصاحف العثمانية، فشمل كتابه هجاء جميع القراءات، مع التركيز على قراءة نافع المدني رحمه الله تعالى وهو من أقدم الكتب المؤلفة في هذا العلم، وأنفسها وأوسعها، فحوى بين طياته جميع هجاء مصاحف الأمصار على ما وضعه الصحابة ﵃ أودع فيه مؤلفه كل ما عرف عن موضوع هجاء المصاحف وما يحتاجه الناسخ للمصحف.
فالكتاب يفسح أمام العلماء الطريق في الكشف عن موضوع رسم المصحف وعناية العلماء بتحريره وبيان قواعده، وقد أفاد منه القراء كثيرا، كيف والقراءة مرتبطة برسم المصحف؟ بل هو ركن من الأركان الثلاثة التي يشترطها العلماء لقبول القراءة، كما
مقدمة / 1
- ب -
يقول ابن الجزري في النشر (١/ ٩): «كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا، وصح سندها فهي القراءة الصحيحة».
ولقد احتل هذا الكتاب منزلة سامية من بين الكتب المؤلفة في علم الرسم، ومؤلفه أبو داود شيخ القراء وإمام الإقراء، من أجلّ أصحاب أبي عمرو الداني، وأنبل تلامذته في علوم القرآن والقراءات، بل فاقه في علم الرسم بشهادة علمائه، فكانوا يقدمون ترجيحات التلميذ وتحريراته عند الاختلاف بينهما.
وتتأكد أهمية كتاب «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» إذا عرفنا أن ثمة روايات غزيرة رواها العلماء المتقدمون الذين ضاعت مصنفاتهم في هذا الباب، ويحتفظ هذا المختصر بجلّ هذه الروايات المفقودة وينقلها عن أصحابها بأسمائهم وألفاظهم.
وأود في هذه المقدمة أن أتقدم بالشكر الجزيل لمحقق الكتاب الدكتور أحمد بن أحمد شرشال على ما بذله من جهد علمي في هذا السبيل، كما أتقدم بالشكر لكل من بذل الجهد في تقويم الكتاب وتصحيحه وطباعته. والوزارة ماضية بإذن الله في دعم المسيرة العلمية التي ترعاها حكومة المملكة العربية السعودية التي ما فتئت تدعم كل ما من شأنه خدمة كتاب الله ورعاية علومه. وندعو الله ﷿ أن يديم على هذه البلاد عزها وعطاءها الميمون في ظل قائد هذه المسيرة المباركة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز وسمو ولي عهده الأمين، وسمو النائب الثاني حفظهم الله جميعا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
مقدمة / 2
مقدمة [مجمع الملك فهد]
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا ورسولنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة النبوية يحرص على إعداد كل ما يتصل بخدمة كتاب الله ﷿ وطباعته ونشره، ومن ذلك علوم القرآن المتنوعة تأليفا وتحقيقا مما يعده الباحثون في إدارة الشئون العلمية، أو الأعمال العلمية المعدّة ممن لهم اهتمام وعناية بالقرآن الكريم وعلومه.
وقد قام مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بطبع كتاب «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» للإمام أبي داود سليمان بن نجاح الأموي المتوفى ٤٩٦ هـ الذي قام بتحقيقه والتعليق عليه الدكتور أحمد بن أحمد شرشال وقد تم إخراجه ونشره بالتعاون العلمي المثمر بين وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد ممثلة في مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة النبوية، ومركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، وذلك بعد دراسته وتقويمه من قبل الشئون العلمية، ويعدّ الكتاب من أنفس الكتب المؤلفة في علم الرسم وتحرير مسائله، كما أن الطراز في شرح ضبط الخراز للإمام أبي عبد الله التنسي- الذي سبق أن طبع بالمجمع- من أحسن الكتب في علم أصول الضبط لكتاب الله الكريم، وهما عمدة النساخ في رسم المصحف ونقطه بالشكل، ومن أهم مصادر اللجنة العلمية التي أشرفت على إعداد «مصحف المدينة النبوية» وقد جاء في تقريرها:
«وأخذ هجاؤه مما رواه علماء الرسم ... وقد روعي في ذلك ما نقله الشيخان أبو عمرو الداني وأبو داود سليمان بن نجاح مع ترجيح الثاني عند الاختلاف غالبا» وبهذين الكتابين اكتمل موضوع كتابة المصحف من حيث رسم حروفها وهجائها، ومن حيث إعرابها بالنقط والشكل.
1 / 1
والكتاب «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» موسوعة علمية مطولة في موضوع رسم المصحف العثماني وما يتصل بذلك، لا يستغني عنه الباحثون من علماء القراءات، ولا اللجان العلمية التي تشرف على طباعة المصحف في شتى بقاع العالم.
ومؤلفه أبو داود سليمان بن نجاح إمام وحجة في علم الرسم، وقد فاق أقرانه، فعلماء الرسم اهتموا بمؤلفاته، وأخذوا بترجيحاته وتحريراته في هذا العلم.
إن مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف قد هيأ في سبيل ذلك فريق عمل متخصصا في القرآن الكريم وعلومه، ويسرّه أن يتعاون لتنفيذ مهامه المنوطة به مع العلماء
الجادين الذين تهيأت لهم إمكانات علمية وقدرات بحثية للنهوض بالواجبات التي ندبوا أنفسهم للقيام بها.
وفي هذا العمل الجليل الذي تمت طباعته في مطابع المجمع وتحت إشرافه المباشر، يلمس القارئ تلك العناية العظيمة التي بذلها السلف الصالح في سبيل كتابة القرآن الكريم ورسمه وضبطه، وكتاب «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» حلقة مهمة من هذه الحلقات.
ومما يزيد من أهمية هذا السفر الجليل هذه الدراسة العلمية المتقنة التي عني بها المحقق لأجلاء غوامض هذا العلم وما يلزمه من التحرير والبحث في بعض مسائله ومشكلاته، ثم يأتي النص محققا على طائفة من النسخ المخطوطة المعتمدة وفق أسلوب العمل المنهجي في تحقيق التراث الإسلامي ونشره.
وندعو الله ﷿ أن يحفظ لهذه البلاد أمنها واستقرارها في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين وسمو النائب الثاني حفظهم الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الأمانة العامة لمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
1 / 2
شكر
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه، وسراجا منيرا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
أما بعد:
فعملا بقول الله ﷿: لئن شكرتم لأزيدنّكم (إبراهيم: ٧) فإنني أحمده وأشكره، وأستعينه، وأومن به، وأتوكل عليه، وأثني عليه الخير كله، فهو المستحق للحمد والثناء بما أنعم وتفضل، ويسر وأعان.
ومن إنعامه وإفضاله أن وفقنا لإتمام هذا البحث، وجمع لنا بين شرفين عظيمين: شرف طلب القرآن وعلومه وقراءاته، وشرف المقام في مدينة النبي ﷺ، وفي أشرف بقعة فيها؛ في مسجده الشريف، ما أعظمها من نعمة! يجب أن نستشعرها، ويستشعرها طلاب العلم، ونسأل الله العظيم الجليل أن يعيننا على أداء حقها، ويرزقنا دوام شكرها، وتبليغ ما حملناه.
فهذه الخصوصية لم تتوفر ولن تتوفر في أي بقعة من الأرض، اللهم لك الحمد والشكر، وعلى قدر هذه النعمة والفضل تعظم المسئولية، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
وعملا بهدي الرسول ﷺ: «من صنع لكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه به، فادعوا له، حتى تروا أنكم قد كافأتموه» (١) وقوله أيضا: «من لا يشكر الناس، لا يشكر الله» (٢).
(١) من حديث ابن عمر أخرجه أبو داود في سننه ٢/ ٣١٠ رقم ١٦٧٢ والنسائي ٥/ ٦١ رقم ٢٥٦٨.
(٢) أخرجه الترمذي في سننه ٣/ ٢٢٨، وأبو داود ٤/ ٣٠٤ وأحمد في مسنده الفتح الرباني ١٩/ ٩٤.
1 / 3
ومن أكبر المعروف وأعظمه أن تيسر للطالب تكاليف العلم وكفايته مئونة الطلب، وتوفير أسبابه في أعظم بقعة على وجه الأرض.
لذا أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى القائمين على هذه الجامعة الإسلامية المباركة، التي تقدم لطلابها العلوم النافعة الخالية من الشوائب على المنهج الصحيح هدي السلف الصالح من الكتاب والسنة، ولا شك أن هذه نعمة كبرى على طلاب هذه الجامعة، حيث زودوا بملكة يميزون بها بين المعارف البشرية، والمذاهب والنحل، وبين الوحي المنزل في الكتاب والسنة، وحينئذ يصبحون في منعة وحصانة من أساليب الغزو الفكري ومظاهر الحضارة البرّاقة.
فأزجي شكري وتقديري إلى الجامعة الإسلامية بعامة، وإلى كلية القرآن الكريم بخاصة على رعايتها لي في دراسة القرآن وعلومه، وما هيأته لي من سبل الراحة، والتفرغ للتحصيل فكفتني هم تبعات الحياة، نسأل الله العظيم الجليل أن يوفق القائمين عليها ويسدد خطاهم على طريق الخير.
ثم إني أتوجه بالشكر الجزيل إلى المشرفين على هذه الرسالة: الشيخ عبد الفتاح المرصفي- اللهم اغفر له وارحمه- والدكتور/ محمد سالم محيسن. وتوج هذا الإشراف الأستاذ الدكتور/ عبد الله بن عمر الأمين وكيل الكلية، أحسن الله إليه وجزاه الله خيرا.
وأقدم شكري وخالص تقديري إلى مشايخي في كلية القرآن الكريم، نسأل الله العظيم الجليل أن يمن علينا وعليهم بالعافية والستر، وحسن الخاتمة، ونسأله تعالى أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل آمين، والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
1 / 4
مقدمة الدراسة
مدخل:
إن العناية بكتابة القرآن، ونشره بين الناس سنة نبوية كريمة، ورثها علماء المسلمين عن الرسول ﷺ، فكان ﷺ قد اتخذ كتابا للوحي،
منهم الخلفاء الراشدون: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ومنهم زيد بن ثابت، ومعاوية بن أبي سفيان وغيرهم.
وكان كلما أنزل عليه شيء من القرآن، يدعو كتاب الوحي، فيمليه عليهم، ويحدد لهم مواضع الآيات في السور، فيقول: «ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا» (١).
وكان ﷺ يحث أصحابه على كتابة القرآن، ففي الصحيح عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن النبي ﷺ قال: «لا تكتبوا عني شيئا سوى القرآن، ومن كتب عنّي شيئا سوى القرآن فليمحه» (٢).
وهكذا لم ينتقل الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى إلا بعد أن كتب القرآن كله بين يديه على العسب (٣) واللخاف (٤) والرقاع (٥) وقطع الأديم والأكتاف وغيرها مما كان متيسرا في عصرهم.
ثم توالت كتابة القرآن في عهد أبي بكر الصديق ﵁، حيث كتب القرآن كله في نسخة موزعة في صحف فحفظها أبو بكر عنده، ثم حفظها عمر بن الخطاب بعده، ثم حفظتها حفصة بنت عمر بعد وفاة أبيها.
(١) من حديث ابن عباس عن عثمان بن عفان أخرجه الإمام أحمد ١/ ٥٧، ٦٩، وانظر: ٤/ ٢١٨، ٣/ ١٢٠، ٢٤٥ فتح الباري ٩/ ٨، ٢٢.
(٢) أخرجه الإمام مسلم كتاب الزهد بشرح النووي ١٨/ ٢٢٩، وأخرجه الدارمي في سننه ١/ ١١٩ والخطيب في تقييد العلم ٥٧.
(٣) العسب: جمع عسيب، وهو جريد النخل.
(٤) اللخاف: صفائح الحجارة.
(٥) الرقاع: جمع رقعة، وقد تكون من جلد أو ورق.
1 / 5
وفي عهد عثمان بن عفان ﵁ كان أهل الشام يقرءون بقراءة أبي بن كعب، وأهل الكوفة يقرءون بقراءة عبد الله بن مسعود، وهكذا أهل كل بلد يقرءون بقراءة من حلّ به من الصحابة.
وعند ما التقوا في فتح أرمينية اختلفوا في وجوه القرآن، فأهل الشام يقرءون بقراءة أبي بن كعب، فيأتون بما لم يسمع به أهل العراق، وهؤلاء يقرءون بقراءة عبد الله بن مسعود، فيأتون بما لم يسمع به أهل الشام، فخطّأ بعضهم بعضا (١)، فأفزع حذيفة بن اليمان اختلافهم، فأسرع إلى عثمان بن عفان وقال له: «يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى» (٢).
ووقع مثل ذلك في المدينة النبوية بين متعلمي القرآن ومعلميه، فتعاظم عثمان ذلك، فخطب الناس وقال: «أنتم عندي تختلفون وتلحنون، فمن نأى عني من أهل الأمصار أشد فيه اختلافا وأشد لحنا ...». ثم قال:
«اجتمعوا يا أصحاب محمد فاكتبوا للناس إماما» (٣). وطلب الصحف من حفصة، واعتمد عليها في استنساخ مصاحف عدة، وأرسلها إلى الأمصار، ومع كل مصحف قارئا.
وهذه المصاحف هي التي اصطلح العلماء بعد ذلك على تسميتها ب «المصاحف العثمانية» نسبة إلى الخليفة عثمان بن عفان، لأنها كانت بأمره وإرشاده وليست بخطه، وإنما هي بخط زيد بن ثابت بطريقة خاصة
(١) انظر: فتح الباري ٩/ ٢١.
(٢) انظر: فتح الباري ٩/ ١٤.
(٣) انظر: تفسير الطبري ١/ ٢١.
1 / 6
وبرسم مخصوص مجرد من النقط والشكل.
وقد صارت أصلا لما كتب بعد ذلك من مصاحف إلى يومنا هذا.
ولارتباط القراءة بخط المصاحف تتبع القراء هجاء المصاحف. قال أبو عبيد القاسم بن سلّام (ت ٢٢٤ هـ): «وإنما نرى القراء عرضوا القراءة على أهل المعرفة بها وتمسكوا بما علموا منها مخافة أن يزيغوا عما بين اللوحين بزيادة أو نقصان، ولهذا تركوا سائر القراءات التي تخالف الكتاب ولم يلتفتوا إلى مذاهب العربية فيها إذا خالف ذلك خط المصحف، وإن كانت العربية أظهر بيانا من الخط، ورأوا تتبع حروف المصاحف وحفظها عندهم كالسنن القائمة التي لا يجوز لأحد أن يتعداها» (١).
وحينئذ لاحظ علماء القراءات هيئة هذا الرسم، وخاصة تلك الحروف التي تميزت بزيادة أو حذف أو بدل فوصفوها رواية بالعد والوزن والوصف الدقيق، وترجمة عملية بنسخ المصاحف على وفقها، ومطابقة لها.
ومن هؤلاء المبرّزين في هجاء المصاحف أبو داود سليمان بن نجاح المتوفى سنة ٤٩٦ هـ روى الرسم علما وعملا بتأملاته ومشاهداته للمصاحف في كتابه الكبير المسمى ب «التبيين لهجاء مصحف أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁» ضمنه إلى جانب هجاء المصاحف كثيرا من علوم القرآن، إلا أن ضخامته حدّت من انتشاره وتداوله لفتور الهمم، وميل الناس إلى الاختصار، فسأله طلاب العلم أن يختصره، فأجابهم إلى ذلك، ففصل الرسم وحده في كتاب، واقتصر عليه، وسماه «المختصر» وهو كتابنا
هذا الذي بين أيدينا، والذي قمت بتحقيقه وخدمته وإخراجه، بعد أن ظل قرونا من الزمن حبيسا في المكتبات الخطية، فكاد يندرس ويندثر.
(١) فضائل القرآن لأبي عبيد ص ٣٦١.
1 / 7
وترجع صلتي بكتاب «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» للإمام أبي داود سليمان بن نجاح إلى الأيام الأولى من مراحل البحث لرسالتي الأولى، عند ما قمت برحلة علمية إلى كل من مصر وتونس والمغرب بحثا وجمعا للمصادر والمراجع، فشاء الله ﷾ أن أظفر بنسختين مختلفتين من الخزانة الحسنية بالمغرب.
واشتدت صلتي بالكتاب، واستهواني موضوعه ومنهجه، ومما زاد في عزمي وحزمي على تحقيقه، زيادة صلتي به حيث كان مصدرا أصيلا لكتاب: «الطراز في شرح ضبط الخرّاز» موضوع رسالتي السابقة، فكان يصحبني وفي صحبتي طيلة مدة البحث من أوله إلى آخره. وحينئذ عرفت مضامينه ومراميه، وعرفت أصوله وفروعه وعرفت أنه أحق بأن تبذل فيه الجهود، وتنفق فيه الأعمار.
وبما أن الرسم يتعلق بذات حروف الكلمة حذفا وإثباتا وقطعا ووصلا، والضبط يتعلق بما يعرض لهذه الحروف من حركة وسكون، وذلك وصف للحرف، وهو موضوع رسالتي الأولى. وبما أنه لا بد للصفة من موصوف، فكان لا بد لي أن أتطرق لبيان هذا الموصوف، وهو الرسم.
فأردت بهذا الاختيار تكملة موضوع رسالتي السابقة الذي تناولت فيه إعراب المصحف بالنقط والشكل، فيكون موضوع هذه الرسالة في رسم هجاء المصاحف، وبه يكتمل موضوع كتابة المصاحف، من رسم هجائها وضبط حروفها لحاجة أحدهما إلى الآخر.
1 / 8