56

(قال السكاكى اما الايجاز والاطناب فلكونهما نسبيين) أي من الامور النسبية التي يكون تعلقها بالقياس إلى تعقل شي آخر فان الموجز انما يكون موجزا بالنسبة إلى كلام ازيد منه وكذا المطنب انما يكون مطنبا بالنسبة إلى ما هو انقض منه (لا يتسير الكلام فيها الا بترك التحقيق والتعيين) أي لا يمكن التنصيص على ان هذا المقدار من الكلام ايجاز وذلك اطناب اذرب كلام موجز يكون مطنبا بالنسبة إلى كلام آخر وبالعكس. (والبناء على امر عرفى) أي والا بالبناء على امر يعرفه اهل العرف (وهو متعارف الاوساط) الذين ليسوا في مرتبة البلاغة ولا في غاية الفهاهة (أي كلامهم في مجرى عرفهم في تأديه المعاني) عند المعاملات والمحاورات (وهو) أي هذا الكلام (لا يحمد) من الاوساط (في باب البلاغة) لعدم رعاية مقتضيات الاحوال (ولا يذم) ايضا منهم لان غرضهم تأديه اصل المعنى بدلالات وضعية والفاظ كيف كانت ومجرد تأليف يخرجها عن حكم النعيق. (فالا يجاز اداء المقصود باقل من عبارة المتعارف والاطناب اداؤه باكثر منها ثم قال) أي السكاكى (الاختصار لكونه نسبيا يرجع فيه تارة إلى ما سبق) أي إلى كون عبارة المتعارف اكثر منه (و) يرجع تارة (اخرى إلى كون المقام خليقا بابسط مما ذكر) أي من الكلام الذى ذكره المتكلم. وتوهم بعضهم ان المراد بما ذكر متعارف الاوساط وهو غلط لا يخفى على من له قلب أو القى السمع وهو شهيد يعنى كما ان الكلام يوصف بالايجاز لكونه اقل من المتعارف كذلك يوصف به لكونه اقل مما يقتضيه المقام بحسب الظاهر، وانما قلنا بحسب الظاهر لانه لو كان اقل مما يقتضيه المقام ظاهرا وتحقيقا لم يكن في شئ من البلاغة مثاله قوله تعالى رب انى وهن العظم منى واشتعل الرأس شيبا، من الاية فانه اطناب بالنسبة إلى المتعارف اعني قولنا يا رب شخت وايجاز بالنسبة إلى مقتضى المقام ظاهرا لانه مقام بيان انقراض الشباب والمام المشيب فينبغي ان يبسط فيه الكلام غاية البسط فالايجاز معنيان بينهما عموم من وجه. (وفيه نظر لان كون الشئ امرا نسبيا لا يقتضى تعسر تحقيق معناه) إذ كثيرا ما تحقق معاني الامور النسبية وتعرف بتعريفات تليق بها كالابوة والاخوة وغيرهما. والجواب انه لم يرد تعسر بيان معناهما لان ما ذكر بيان لمعناها بل اراد تعسر التحقيق والتعيين في ان هذا القدر ايجاز وذلك اطناب (ثم البناء على المتعارف والبسط الموصوف) بان يقال الايجاز هو الاداء باقل من المتعارف أو مما يليق بالمقام من كلام ابسط من الكلام المذكور (رد إلى الجهالة) إذ لا تعرف كمية متعارف الاوساط وكيفيتها لاختلاف طبقاتهم ولا يعرف ان كل مقام أي مقدار يقتضى من البسط حتى يقاس عليه ويرجع إليه. والجواب ان الالفاظ قوالب المعاني والاوساط الذين لا يقدرون في تأديه المعاني على اختلاف العبارات والتصرف في لطائف الاعتبارات لهم حد معلوم من الكلام يجرى فيما بينهم في المحاورات و؟؟ وهذا معلوم للبلغاء وغيرهم فالبناء على المتعارف واضح بالنسبة اليهما جميعا. واما البناء على البسط الموصوف فانما هو معلوم للبلغاء العارفين لمقتضيات الاحوال بقدر ما يمكن لهم البسط فلا يجهل عندهم ما يقتضيه كل مقام من مقدار البسط. (والا قرب) إلى الصواب (ان يقال المقبول من طرق التعبير عن المراد تأدية اصله بلفظ مساوله) أي لاصل المراد (أو) بلفظ (ناقص عنه واف أو بلفظ زائد عليه لفائدة) فالمساواة ان يكون اللفظ بمقدار اصل المراد والايجاز ان يكون ناقصا عنه وافيا به والاطناب ان يكون زائدا عليه لفائدة. (واحترز بواف عن الاخلال) وهو ان يكون اللفظ ناقصا عن اصل المراد غير واف به (كقوله والعيش خير في ظلال النوك) أي الحمق والجهالة (ممن عاش كدا) أي خير ممن عاش مكدودا متعوبا (أي الناعم في ظلال العقل) يعنى ان اصل المراد ان العيش الناعم في ظلال النوك خير من العيش الشاق في ظلال العقل ولفظه غير واف بذلك فيكون مخلا فلا يكون مقبولا (و) احترز (بفائدة عن التطويل) وهو ان يزيد اللفظ على الاصل المراد لا لفائدة ولا يكون اللفظ الزائد متعينا (نحو) قوله وقددت الاديم لراهشيه (والفى) أي وجد (قولها كذبا ومينا) والكذب والمين واحد لا فائدة في الجمع بينهما. قوله قددت أي قطعت والراهشان عرقان في باطن الذراعين والضمير في راهشيه وفى الفى لجذيمة الابرش وفى قددت وفى قولها للزباء والبيت في قصة قتل الزباء لجذيمة وهى معروفة (و) احترز ايضا بفائدة (عن الحشو) وهو زيادة معينة لا لفائدة (المفسد) للمعنى (كالندى في قوله ولا فضل فيها) أي في الدنيا. (للشجاعة والندى .. * وصبر الفتى لو لا لقاء شعوب) هي علم للمنية صرفها للضرورة وعدم الفضيلة على تقدير عدم الموت انما يظهر في الشجاعة والصبر لتيقن الشجاع بعدم الهلاك وتيقن الصابر بزوال المكروه بخلاف الباذل ماله إذا تيقن بالخلود وعرف احتياجه إلى المال دائما فان بذله حينئذ افضل مما إذا تيقن بالموت وتخليف المال وغاية اعتذاره ما ذكره الامام ابن جنى وهو ان في الخلود وتنقل الاحوال فيه من عسر إلى يسر ومن شدة إلى رخاء ما يسكن النفوس ويسهل البؤس فلا يظهر لبذل المال كثير فضل (و) عن الحشو (غير المفسد) للمعنى. (كقوله واعلم علم اليوم والامس قبله)، ولكننى عن علم ما في غد عمى، فلفظ قبله حشو غير مفسد وهذا بخلاف ما يقال ابصرته بعينى وسمعته باذنى وكتبته بيدى في مقام يفتقر إلى التأكيد. (المساواة) قدمها لانها الاصل المقيس عليه (نحو ولا يحيق المكر السيئى الا باهله، وقوله: فانك كالليل الذى هو مدركى * وان خلت ان المنتأى عنك واسع) أي موضع البعد عنك ذو سعة شبهه في حال سخطه وهو له بالليل، قيل في الاية حذف المستثنى منه وفى البيت حذف جواب الشرط فيكون في كل منهما ايجازا لا مساواة. وفيه نظر لان اعتبار هذا الحذف رعاية لامر لفظي لا يفتقر إليه في تأدية اصل المراد حتى لو صرح به لكان اطنابا بل تطويلا. وبالجملة لا نسلم ان لفظ الاية والبيت ناقص عن اصل المراد. والايجاز (ضربان ايجاز القصر وهو ما ليس بحذف نحو قوله تعالى ولكم في القصاص حيوة، فان معناه كثير ولفظه يسير) وذلك لان معناه ان الانسان إذا علم انه متى قتل قتل كان ذلك داعيا له إلى الا يقدم على القتل فارتفع بالقتل الذى هو القصاص كثير من قتل الناس بعضهم لبعض وكان بارتفاع القتل حياة لهم. (ولا حذف فيه) أي ليس فيه حذف شئ مما يؤدى به اصل المراد واعتبار الفعل الذى يتعلق به الظرف رعاية لامر لفظي حتى لو ذكر لكان تطويلا (وفضله) أي رجحان قوله ولكم في القصاص حيوة (على ما كان عندهم أو جز كلام في هذا المعنى وهو) قولهم (القتل انفي للقتل بقلة حروف ما يناظره) أي اللفظ الذى يناظر قولهم القتل انفي للقتل (منه) أي من قوله تعالى ولكم في القصاص حيوة وما يناظره منه هو قوله في القصاص حيوة لان قوله ولكم زائد على معنى قولهم القتل انفي للقتل. فحروف في القصاص حياة مع التنوين احد عشر وحروف القتل انفي للقتل اربعة عشرة اعني الحروف الملفوظة إذ بالعبارة يتعلق الايجاز لا بالكتابة (والنص) أي وبالنص (على المطلوب) يعنى الحياة (وما يفيده تنكير حيوة من التعظيم لمنعه) أي منع القصاص اياهم (عما كانوا عليه من قتل جماعة بواحد) فحصل لهم في هذا الجنس من الحكم اعني القصاص حيوة عظيمة (أو) من النوعية أي لكم في القصاص نوع من الحياة وهى الحياة (الحاصلة للمقتول) أي الذى يقصد قتله (والقاتل) أي الذى يقصد القتل (بالارتداع) عن القتل لمكان العلم بالاقتصاص (واطراده) أي ويكون قوله ولكم في القصاص حيوة مطردا إذا الاقتصاص مطلقا سبب للحياة بخلاف القتل فانه قد يكون انفي للقتل كالذى على وجه القصاص وقد يكون ادعى له كالقتل ظلما (وخلوه عن التكرار) بخلاف قولهم فانه يشتمل على تكرار القتل. ولا يخفى ان الخالى عن التكرار افضل من المشتمل عليه وان لم يكن مخلا بالفصاحة (واستغنائه عن تقدير محذوف) بخلاف قولهم فان تقديره القتل انفي للقتل من تركه (والمطابقة) أي وباشتماله على صنعة المطابقة وهي الجمع بين معنيين متقابلين في الجملة كالقصاص والحياة (وايجاز الحذف) عطف على قوله ايجاز القصر. (والمحذوف اما جزء جملة) عمدة كان أو فضلة (مضاف) بدل من جزء جملة (نحو واسأل القرية) اي اهل القرية (أو موصوف نحو انا ابن جلا) وطلاع الثنايا، متى اضع العمامة تعرفوني، الثنية العقبة وفلان طلاع الثنايا أي ركاب لصعاب الامور وقوله جلا جملة وقعت صفة لمحذوف (أي) انا ابن (رجل جلا) أي انكشف امره أو كشف الامور. وقيل جلا ههنا علم وحذف التنوين باعتبار انه منقول عن الجملة اعني الفعل مع الضمير لا عن الفعل وحده (أو صفة نحو وكان وراء هم ملك يأخذ كل سفينة غصبا) أي كل سفينة (صحيحة أو نحوها) كسليمة أو غير معيبة (بدليل ما قبله) وهو قوله فاردت ان اعيبها لدلالته على ان الملك كان لا يأخذ المعيبة (أو شرط كما مر) في اخر باب الانشاء (أو جواب شرط) وحذفه يكون (اما لمجرد الاختصار نحو قوله تعالى وإذا قيل لهم اتقوا ما بين ايديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون) فهذا شرط حذف جوابه (أي اعرضوا بدليل ما بعده) وهو قوله تعالى وما تأتيهم من آية من آيات ربهم الا كانوا عنها معرضين (أو للدلالة على انه) اي جواب الشرط (شئ لا يحيط به الوصف أو لتذهب نفس السامع كل مذهب ممكن مثالهما ولو ترى إذ وقفوا على النار) فحذف جواب الشرط للدلالة على انه لا يحيط به الوصف أو لتذهب نفس السامع كل مذهب ممكن (أو غير ذلك) المذكور كالمسند إليه والمسند والمفعول كما مر في الابواب السابقة وكالمعطوف مع حرف العطف (نحو لا يستوى منكم من انفق من قبل الفتح وقاتل أي ومن انفق من بعده وقاتل بدليل ما بعده) يعنى قوله تعالى اولئك اعظم درجة من الذين انفقوا من بعد وقاتلوا (واما جملة) عطف على اما جزء جملة. فان قلت ماذا اراد بالجملة ههنا حيث لم يعد الشرط والجزاء جملة. قلت اراد الكلام المستقل الذى لا يكون جزء من كلام آخر (مسببة عن) سبب (مذكور نحو ليحق الحق ويبطل الباطل) فهذا سبب مذكور حذف مسببه (أي فعل ما فعل أو سبب لمذكور نحو) قوله تعالى فقلنا اضرب بعصاك الحجر (فانفجرت ان قدر فضربه بها) فيكون قوله فضر به بها جملة محذوفة هي سبب لقوله فانفجرت (ويجوز ان يقدر فان ضربت بها فقد انفجرت) فيكون المحذوف جزء جملة هو الشرط ومثل هذه الفاء يسمى فاء فصيحة قيل على التقدير الاول وقيل على التقدير الثاني. وقيل على التقديرين (أو غيرهما) أي غير المسبب والسبب (نحو فنعم الماهدون على ما مر) في بحث الاستيناف من انه على حذف المبتدأ والخبر على قول من يجعل المخصوص خبر مبتدأ محذوف (واما اكثر) عطف على اما جملة أي اكثر (من جملة) واحدة (نحو انا انبئكم بتأويله فارسلون يوسف، أي) فارسلوني (إلى يوسف لاستعبره الرؤيا ففعلوا فأتاه فقال له يا يوسف والحذف على وجهين ان لا يقام شى ء مقام المحذوف) بل يكتفى بالقرينة (كما مر) في الامثلة السابقة (وان يقام نحو وان يكذبوك قوله فقد كذبت رسل من قبلك) فقد كذبت ليس جزاء الشرط لان تكذيب الرسل متقدم على تكذيبه بل هو سبب لمضمون الجواب المحذوف اقيم مقامه (أي فلا تحزن واصبر) ثم الحذف لابد له من دليل (وادلته كثيرة منها ان يدل العقل عليه) أي على الحذف (والمقصود الاظهر على تعيين المحذوف نحو حرمت عليكم الميتة والدم). فالعقل دل على ان هنا حذفا إذ الاحكام الشرعية انما تتعلق بالافعال دون الاعيان والمقصود الاظهر من هذه الاشياء المذكورة في الاية تناولها الشامل للاكل وشرب الالبان فدل على تعيين المحذوف وفى قوله منها ان يدل ادنى تسامح فكأنه على حذف مضاف. (ومنها ان يدل العقل عليهما) أي على الحذف وتعيين المحذوف (نحو وجاء ربك) فالعقل يدل على امتناع مجئ الرب تعالى وتقدس ويدل على تعيين المراد ايضا. (اي امره أو عذابه) فالامر المعين الذي دل عليه العقل هو احد الامرين لا احدهما على التعيين. (ومنها ان يدل العقل عليه والعادة على التعيين نحو فذلكن الذى لمتننى فيه) فان العقل دل على ان فيه حذفا إذ لا معنى للوم الانسان على ذات الشخص واما تعيين المحذوف (فانه يحتمل) ان يقدر (وفى حبه لقوله تعالى قد شغفها حبا وفى مراودته لقوله تعالى تراود فتاها عن نفسه وفى شانه حتى يشملهما) أي الحب والمراودة (والعادة دلت على الثاني) أي مراودته (لان الحب المفرط لايلام صاحبه عليه في العادة لقهره) أي الحب المفرط (اياه) أي صاحبه فلا يجوز ان يقدر في حبه ولا في شانه لكونه شاملا له فيتعين ان يقدر في مراودته نظرا إلى العادة. (ومنها الشروع في الفعل) يعنى من ادلة تعيين المحذوف لا من ادلة الحذف لان دليل الحذف ههنا هو ان الجار والمجرور لابد من ان يتعلق بشئ والشروع في الفعل على انه ذلك الفعل الذى شرع فيه (نحو بسم الله فيقدر ما جعلت التسمية مبتدأ له) ففى القرائة يقدر بسم الله اقرأ وعلى هذا القياس.

صفحہ 175