إن قتل الأمير يوسف والشيخ غندور لم يخمد الثورة التي ابتدأت في المتن على الأمير بشير، وعند رجوع الجزار من الحج أسف على قتل الأمير يوسف، وأمر بقتل ابن السكروج، والتمس الأمير بشير منه إطلاق المسجونين من أتباع الأمير يوسف وكفلهم فأطلقوا، وكتب الجزار إلى والي دمشق أن يرسل عسكرا لمساعدة الأمير بشير، وأرسل هو عسكرا إلى البقاع وأمر الأرناؤط الذين كانوا في حرش بيروت أن يحضروا إلى صيدا، ولما شعر النكدية بمرورهم التقوهم بالسعديات، وقتلوا منهم نحو مائتي رجل فكتب الجزار إلى قائدي عسكريه في صيدا والبقاع أن ينهضا بالعساكر إلى المتن، وسار الأمير بشير بعسكر من صيدا، وأظهر حينئذ العصيان أهل الغرب والشحار والجرد، وأهل دير القمر أيضا، وتجمعوا وأكمنوا للأمير عند صحراء الشويفات، لكنهم اندحروا وقتل منهم نحو عشرين رجلا، وكانت بعد ذلك أي: سنة 1790 وسنة 1791 سلسلة حروب متصلة في ساحل بيروت والبقاع وحاصبيا، وإقليم الخروب والشوف ... وكانت النهاية أن الجزار لما رأى أن عساكره لا تستطيع أن تكره اللبنانيين على طاعته كتب للأمير بشير أن يرجع بالعساكر إلى عكا، فرجعوا وأمر الأمير أن يقيم بصيدا وجعل له نفقة كافية، وكان الأميران حيدر ملحم وقعدان أقاما في دير القمر حاكمين، فصرفا أهل البلاد كلا إلى محله، لكنهم بطروا وتمردوا وسطا بعضهم على أهل الساحل وبيروت، فأقفل المسلمون أبواب المدينة على من كان فيها من الجبل وقتلوا ستين رجلا، فرفع أعيان البلاد عريضة للجزار التمسوا فيها الصفح، وأن يولي عليهم الأميرين حيدر وقعدان وتعهدوا بدفع الأموال مع زيادة أربعة آلاف كيس عليها، وبعد التوثق على ذلك أرسل إليهما الخلع، وأمر بحجز الأمير بشير بصيدا وأخاه الأمير حسنا ببيروت.
وفي سنة 1792 التمس جرجس باز من دير القمر من الأميرين أن يأجرا أولاد الأمير يوسف بلاد جبيل، فأجراهم إياها بستين ألف قرش كل سنة، وتوجه هؤلاء الأمراء إلى جبيل ومعهم مدبرهم جرجس باز المذكور، وطلب لهم خلع الولاية من والي أطرابلس فأرسلها إليها، وأخذ يستميل أعيان البلاد إلى هؤلاء الأمراء، فمالوا إليهم واستهانوا بالأميرين الحاكمين حتى أصبحا عاجزين عن تدبير مهام البلاد، فأشار عليهما بعض أصحابهما أن يسلما الولاية إلى أولاد الأمير يوسف خشية أن ترد إلى الأمير بشير، فارتضيا بذلك وأرسل جرجس باز أخاه عبد الأحد إلى الجزار بمائة ألف قرش، فأنعم على أولاد الأمير يوسف بخلع الولاية، وأتوا من جبيل إلى الحدث والتقاهم الأميران حيدر وقعدان إلى هناك، وساروا جميعا إلى دير القمر.
أما الأمير بشير فالتقى بالجزار عند عوده من الحج إلى المزاريب، وكان كثيرون من أعيان البلاد قد التسموا منه إعادة الأمير بشير إلى الولاية، فأنعم عليه بها وأصحبه بعسكر إلى صيدا، وأرسل هو إلى الشوف أخاه الأمير حسنا والشيخ بشير جنبلاط ومعهما ألف فارس وحلوا بالمختارة، فجمع الأمير قعدان وجرجس باز نحو ألف رجل فتقوى عليهم الأمير حسن، وهزمهم إلى برج بعقلين، ونهض الأمير بشير إلى السمقانية ففروا من بعقلين إلى جبيل، ومعهم محازبوهم وقام الأمير إلى حرش بيروت وأرسل رجالا للقبض على بعض المذنبين، فاجتمع أهل المتن وطردوا أولئك الرجال ودعوا أولاد الأمير يوسف ليأتوا إلى المتن، ونهض الأمير بشير لكبتهم فالتقاه بعضهم، وأطلقوا الرصاص فهجم عليهم فانهزموا، وتبعهم إلى العبادية ورأس المتن وقتل منهم جماعة، وحضر الأمير حسن ابن الأمير يوسف برجال كسروان وبلاد جبيل والقاطع إلى بعبدات، لكنه رأى المتنية مذعورين فعاد إلى جبيل، وقدم الأمراء اللمعيون طائعين، وأما الأميران حيدر وقعدان فسأل بعض أصحابهم الأمير أن يعفو عنهما، فأجابهم إلى ذلك وغرم النكدية بخمسين ألف قرش ثم طيب خاطرهم، وفي سنة 1794 شكا سر عسكر الجزار إليه أن الأمير جمع أموالا كثيرة، ولم يجر عليهم أرزاقهم، فأمره أن يقبض على الأمير وأخيه حسن، والشيخ بشير جنبلاط ويحضرهم إلى عكا فاعتقلهم، وسار بهم بحرا إليها ، وكتب الجزار إلى أولاد الأمير يوسف أن يحضروا إليه فحضر منهم حسين وسعد الدين إلى الساحل، فأرسل لهم خلع الولاية فسار الأمير حسين إلى دير القمر، ومعه مدبره جرجس باز، وسار الأمير سعد الدين إلى جبيل، ومعه فرنسيس باز وأخذ، الأمير حسين ينتقم من محازبي الأمير بشير، فاتفق حسن جنبلاط والعمادية، ودعوا الأمير عباس أسعد وقاموا معه إلى بعقلين قاصدين أن يدهموا الأمير حسينا، فكتب إلى الجزار أن هذه الثورة من الأمير بشير فأمر بسجن الأمير بشير وأخيه الأمير حسن مغللين، وأنفذ عسكرا إلى الشوف فاختفى حسن جنبلاط، وفر العمادية إلى حوران، وحضر الأمير عباس إلى الأمير حسين فطيب خاطره.
وفي سنة 1795 تقدمت إلى الجزار شكاوى من ظلم أولاد الأمير يوسف وجرجس باز، فأمر بإطلاق الأمير بشير وأخيه من السجن، وتعهد له بدفع ثمانمائة ألف قرش قسوطا، ورهن عند أخاه الأمير إبراهيم وغيره، فخلع على الأمير بشير خلعة الولاية، وأصحبه بعسكر فقام إلى لبنان، ففر الأمير حسين ومحازبوه إلى جبيل، ثم دعاهم الأمراء اللمعيون، واجتمعوا بالبقاع فنهض الأمير بعسكره إلى الباروك ثم إلى المغيثة ومعه عسكر الجزار، فانهزموا إلى البترون، وقام الأمير إلى كسروان فتقدم إليه المشايخ الدحادحة، وكانوا مع الأمير يوسف فجعلهم كتابا عنده وعند أخيه، وأرسل بعض أتباعه يدهمون أولاد الأمير يوسف في البترون، ففروا مذعورين إلى أطرابلس، وسار الأمير حسن أخو الأمير بعسكر الجزار إلى زغرتا قاصدا حصار أطرابلس، فأمر الجزار الأمير بشيرا أن يعود إلى دير القمر، ويبقي أخاه مع العسكر في جبيل، وانهزم أولاد الأمير يوسف إلى عكار، وضبط الأمير بشير أملاكهم وهدم مساكن النكدية.
وفي سنة 1796 ولى خليل باشا والي أطرابلس الأمير سليم ابن الأمير يوسف على بلاد جبيل، وأرسل معه عسكرا إلى البترون فأرسل الأمير أخاه وبعض الأمراء والمشايخ، والتقى الفريقان في أرض عمشيت فانكسر عسكر الأمير سليم، وانهزموا إلى أطرابلس، ثم جهز والي أطرابلس عسكرا آخر، والتقاهم الأمير حسن وعسكر الجزار فدحروهم إلى عكار، ثم دعا والي دمشق أولاد الأمير يوسف إلى البقاع، وأرسل عسكرا إلى هناك وأرسل الأمير بشير الأمير حيدر أحمد وعسكر الجزار، واتقع الفريقان فانهزم عسكر دمشق وفر أولاد الأمير يوسف إلى دمشق.
وفي هذه السنة كان مقتل المشايخ النكدية، فإنهم كانوا يخالفون الجنبلاطية والعمادية في التقلبات المار ذكرها، فاتفقوا على قتلهم برضى الأمير بشير، فطلبوا إلى دار الحكومة في دير القمر وقتل من أتى منهم، ثم أرسلوا إلى بيوتهم في أعبية فهرب أولادهم، ونهبوا بيوتهم ثم قبضوا عليهم وسجنوهم، ثم قتلوهم في سجنهم.
وفي سنة 1797 أمر عبد الله باشا والي دمشق أولاد الأمير يوسف أن يقيموا بحماة، وورد أمر من الجزار أن يحضروا إليه آمنين فحضروا مع مدبرهم جرجس باز، فرحب بهم. وفي سنة 1798 ولى أولاد الأمير يوسف مكان الأمير بشير، لكنه وقفهم عن المسير إلى لبنان؛ لأنه بلغه خبر وصول بونابرت إلى الإسكندرية. وفي سنة 1798 قدم بونابرت إلى عكا وحاصرها، فاستنجد الجزار بالأمير بشير، فاعتذر له بأن أهل البلاد عرفوا أنه ولى أولاد الأمير يوسف، فما عادوا يطيعونه، وكتب بونابرت إلى الأمير بشير فلم يجبه ثم كتب إليه كتابا آخر يعتبه به؛ لأنه لم يجبه، فوقع هذا الكتاب بيد الجزار فرضي عن الأمير بشير. ولما ارتحل بونابرت عن عكا خاف الأمير والنصارى من الجزار، وكان الأميرال سميت رئيس الأسطول الإنكليزي قد كتب إلى الأمير بشير كتابا وداديا وزاره بعين عنوب، وتعهد له بكف الجزار عن المضرة له، وحضر حينئذ الصدر الأعظم إلى سورية، فأنعم على الأمير بشير بخلع الولاية على لبنان، ووادي التيم وبعلبك والبقاع وبلاد المتاولة واعدا إياه أن يبقى واليا بأمر الدولة، وليس لوزراء صيدا ودمشق تسلط عليه بل يورد المال إلى الخزينة، على أن اليزبكية اتفقوا مع الأمير قاسم والي حاصبيا وطلبوا عسكرا من الجزار لمقاومة الأمير بشير، فوجه عسكرا إلى خان حاصبيا ونهض اليزبكية به إلى البقاع، وأرسل الأمير بشير الشيخ بشير جنبلاط برجاله، واضطرمت نار الحرب بين الفريقين إلى المساء وقتل منهما جماعة وافرة، واستمد الأمير بشير عبد الله باشا والي دمشق ، فأرسل المنلا إسماعيل بألف فارس إلى البقاع، وبعث إلى رؤساء عسكر الجزار أن ينكفوا عن مقاومة الأمير، فانقادوا لأمره وهرب الأمير قاسم واليزبكية إلى عكا، واحتدم الجزار ولم يلتفت إلى أمر الصدر الأعظم، وولى الأميرين حسين وسعد الدين ابني الأمير يوسف على لبنان، وأصحبهما بستة آلاف فارس وأربعة آلاف راجل، فسار الأمير حسين بالفرسان إلى البقاع ومعه جرجس باز، والأمير سعد الدين بالمشاة إلى إقليم الخروب ...
فقام الأمير بشير إلى عين بال، وطلب رجال البلاد فقل من لبى دعوته وانفض الأمراء اللمعيون عنه، فقام إلى البقاع ثم نهض إلى بلاد جبيل، وليس معه من الشوف إلا الجنبلاطية ونحو خمسمائة رجل، وتوجه إلى الكورة ثم إلى راسكيفا، وسار الأمير حسين حتى بلغ البترون ثم أميون، ففر الأمير بشير إلى الهرمل وقصد أن يقيم بحوران، فورد له كتاب من الأميرال سميت يطلب حضوره إلى غزة لمقابلة الصدر الأعظم، وأرسل له مركبا إلى أطرابلس سار به، ومعه الشيخ سلوم الدحداج وبعض خدمه، وتلقاه الصدر الأعظم بالترحاب، وطيب قلبه وعرض عليه أن يصحبه بعشرة آلاف جندي لقتال الجزار، فامتنع من ذلك واستأذنه أن يسافر مع الأسطول إلى قبرس، وبقي فيه مدة ولما عاد إلى مصر وجد أن الإفرنسيين كسروا الصدر الأعظم، وعاد إلى يافا فطلب من الأميرال أن يرده إلى أطرابلس، فرده إليها ونزل عند مصب نهر البارد وسار إلى الحصن عند علي بك الأسعد، حيث كان أخوه والشيخ بشير جنبلاط.
وكان ابنا الأمير يوسف قد عجزوا عن جمع المال المطلوب للجزار، فأنفذ ألف فارس لجباية المال من البقاع، وألح بطلب المال كاملا مع مطالب أخرى فأرسل الأميران محصلين لجمعها، فهاج أهل البلاد وطرد المتنيون المحصلين، وأرسل الجزار الأرناؤط إليهم فاستعدوا لقتالهم، وأجمعوا على إعادة الأمير بشير إلى الولاية، ووافقهم أكثر أعيان البلاد فأرسلوا ثلاثمائة رجل إلى الحصن يستدعون الأمير بشير، فعاد معهم إلى لبنان، فاضطرب الأميران وأسرع جرجس باز إلى الجزار، فجهز ألفي مقاتل من الأرناؤط ووعده بإرسال عسكر من الفرسان، وقام الأمير بشير إلى حمانا فالتقاه الجميع بالسرور، واتحد معه أكثر الأمراء اللمعيين، فنهض إلى الباروك ثم كفرنبرخ، ووصل جرجس باز بالأرناؤط إلى دير القمر، وقل أصحاب أولاد الأمير يوسف، فأقنع بعضهم جرجس باز بعقد الصلح على أن يتولى الأميران بلاد جبيل، ويتولى الأمير بشير باقي البلاد فرضي بذلك، وقام الأمير حسين بعسكر الجزار إلى ساحل بيروت، ودخل الأمير بشير دير القمر.
على أن جرجس باز عدل عن الصلح، وجرت وقعات كان النصر في آخرها للأمير، فأذعن جرجس باز وعقد الصلح بشروطه المار ذكرها، ولما علم الجزار بما كان تمزق غيظا، وكان ذلك سنة 1800. (7) في غزوة بونابرت لمصر وسورية
نامعلوم صفحہ