414

محمد صلى الله عليه وسلم

محمد صلى الله عليه وسلم

علاقے
مصر
-الحديبية هي بئر سمي المكان باسمها وقيل قرية أكثرها في الحرم على تسعة أميال من مكة.
وسببها أن النبي ﷺ رأى في منامه أنه دخل البيت هو وأصحابه آمنين محلقين رءوسهم ومقصرين.
فخرج رسول الله ﷺ من المدينة في ذي القعدة من السنة السادسة (فبراير سنة ٦٢٨ م) معتمرًا "زائر البيت" لا يريد حربا بعد أن مضى عليه ﷺ ست سنوات بعد الهجرة في المدينة لم يزر فيها مكة ولم يعتمر ولم يحج. فخرج في هذه السنة معتمرًا واستنفر العرب من البوادي ومن حوله من الأعراب ليخرجوا معه وهو يخشى من قريش أن يتعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت فأبطأ عليه كثير من الأعراب. فخرج بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق من العرب وساق معه الهدى (ما يهدي إلى الحرم من النعم) وأحرم بالعمرة ليأمن الناس حربه وليعلموا أنه إنما خرج زائرًا للبيت ومعظمًا له وأخرج معه زوجته أم سلمة ﵂ واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم ﵁ وجملة أصحابه الذين خرجوا معه ١٤٠٠ إلى ١٦٠٠.
أما ما رواه ابن اسحاق من أنه ﷺ ساق معه الهدي ٧٠ بدنة (١) وكان الناس ٧٠٠ رجل فكانت كل بدنة من عشرة نفر، فلا بد أن يكون هذا العدد في بدء خروجهم قبل أن ينضم إليه ﷺ من دعاهم من الاعراب ولم يخرج ﷺ معه بسلاح الا سلاح المسافر، السيوف في القرب. فلما كان بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي، فقال له "يا رسول الله هذه قريش قد سمعوا بمسيرك فخرجوا ومعهم العوذ المطافيل (٢) قد لبسوا جلود النمور وقد نزلوا بذي طوى يحلفون بالله لا تدخلها عليهم أبدًا. وهذا خالد بن الوليد في خيلهم (٣) قد قدموها إلى كراع الغميم (٤) . فقال رسول الله ﷺ "يا ويح قريش لقد أكلتهم الحرب ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة فما تظن قريش؟ فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله حتى يظهره الله أو ينفرد هذه السالفة. ثم قال من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها؟ فقال رجل من أسلم أنا يا رسول الله فسلك بهم طريقا وعرًا (واسم هذا الرجل حمزة بن عمرو الأسلمي) فخرجوا منه بعد أن شق عليهم وأفضوا إلى طريق سهلة عند منقطع الوادي. قال رسول الله ﷺ للناس قولوا نستغفر الله ونتوب إليه. فقالوا ذلك. فقال والله إنها للحطة التي عرضت على بني اسرائيل فلم يقولوها.
ثم أمر رسول الله ﷺ الناس فقال اسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمض في طريق على ثنية المراة مهبط الحديبية من أسف مكة. فسلك الجيش ذلك الطريق فلما رأت خيل قريش فترة الجيش قد خالفوا، رجعوا راكضين إلى قريش (ذكر أن فرسان قريش كانوا ٢٠٠ منهم عكرمة بن أبي جهل وكان قائدهم خالد بن الوليد) .
خرج رسول الله ﷺ حتى إذا سلك في ثنية المرار بركت ناقته القصواء فقال الناس خلأت فقال "ما خلأت وما هو لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة. لاتدعوني قريش اليوم إلى خطة وما هو لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة. لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني صلة الرحم الا أعطيتهم اياها".
ثم قال للناس انزلوا. قيل يا رسول الله ما بالوادي ماء ينزل عليه فأخرج سهما من كنانته فأعطاه رجلا من أصحابه فنزل به في قليب من تلك القلب فغرزه في جوفه فجاش بالرواء حتى ضرب الناس عنه بعطن (٥) واختلف فيمن نزل في القليب بسهم رسول الله ﷺ فقيل هو سائق بدنة ناجية بن جندب وقيل أنه البراء بن عازب وقيل عبادة بن خالد وفي البخاري عن البراء بن عازب ﵄ أنه ﷺ جلس على البئر ثم دعا باناء فمضمض ودعا ثم صبه فيها. ثم قال دعوها ساعة فأرووا أنفسهم وركابهم حتى ارتحلوا. وفي حديث جابر عند البخاري ومسلم قال عطش الناس يوم الحديبية وبين يدي رسول الله ﷺ ركوة يتوضأ منها فأقبل الناس نحوه فقال ما بالكم؟ قالوا يا رسول الله ليس عندنا ما نتوضأ به ولا نشرب إلا ما في ركوتك فوضع يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون فشربنا وتوضأنا وجمع ابن حيان بينهما بأن ذلك وقع في وقتين. وكانت قصة الركوة قبل قصة البئر.
فلما اطمأن رسول الله ﷺ أتاه بُديل بن ورقاء الخزاعي في رجال من خزاعة فكلموه وسألوه ما الذي جاء به فأخبرهم أنه لم يأت يريد حربًا وإما جاء زائرا للبيت ومعظما لحرمته. ثم قال لهم نحوًا مما قال لبشر بن سفيان. فرجعوا إلى قريش. فقالوا يا معشر قريش إنكم تعجلون على محمد أن محمدًا لم يأت لقتال. إنما جاء زائرًا لهذا البيت فاتهموهم وجبهوهم وقالوا وإن كان جاء ولا يريد قتالا فوالله لا يدخلها عليها عنوة أبدا ولا تحدث بذلك عنا العرب.
وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله ﷺ مسلمها ومشركها لا يخفون عنه شيئا كان بمكة.
ثم بعثوا إليه مكرز بن حفص فلما رآه رسول الله ﷺ مقبلا، قال هذا رجل غادر فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ وكلمه قال له رسول الله ﷺ نحوًا مما قال لبديل وأصحابه فرجع إلى قريش فأخبرهم بما قال له رسول الله ﷺ.
ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة وكان يومئذ سيد الأحابيش فلما رآه رسول الله ﷺ قال إن هذا من قوم يتألهو فابعثوا الهدى في وجهه حتى يراه، فلما رأى الهدى يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده وقد أكل أوباره من طول الحبس عن محله رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله ﷺ اعظامًا لما رأى. فقال لهم ذلك. فقالوا له اجلس فإنما أنت اعرابي لا علم لك. فغضب الحليس عند ذلك وقال: يا معشر قريش والله ماعلى هذا حالفناكم ولا على هذا عاقدناكم. أيصد عن بيت الله من جاء معظمًا له والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء له أو لا نفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد. فقالوا له: كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به.
ثم بعثوا إلى رسول الله ﷺ عروة بن مسعود الثقفي فقال يامعشر قريش إني قد رأيت ما يلقى منكم من بعثتموه إلى محمد إذ جاءكم من التعنيف وسوء اللفظ وقد عرفتم إنكم والد واني ولد وكان عروة لسبيعة بنت عبد شمس وقد سمعت بالذي نابكم فجمعت من أطاعني من قومي ثم جئتكم حتى آسيتكم بنفس. قالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتهم. فخرج حتى أتى رسول الله ﷺ فجلس بين يديه ثم قال:
يا محمد أجمعت أوشاب الناس (٦) ثم جئت بهم إلى بيضتك لتفضها بهم إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله لاتدخلها عليهم عنوة أبدًا (تكرر هذا الكلام فقد قاله "بشربن سفيان") وايم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدا (٧) .
وكان أبو بكر الصديق خلف رسول الله ﷺ قاعدًا فقال (امصص بظر اللات (٨) أنحن ننكشف عنه؟) .
فقول أبي بكر (امصص بظر اللات) مبالغة منه في سب عروة فإنه أقام معبود عروة وهو صنمه مقام امرأة تحقيرًا لمعبوده وعادة العرب الشتم بذلك. وقد ساء أبا بكر قول عروة ان أصحابه ﷺ ينكشفون عنه غدًا أي يفرون فقال له ما قال وأجابه بما فيه تحقير له ولمعبوده.
فقال عروة بعد أن سمع هذه الأهانة: من هذا يامحمد؟ قال هذا ابن أبي قحافة. فقال أما والله لولا يد كانت لك عندي لكأفأتك بها ولكن هذه بها.
قال الزهري إن اليد المذكورة هي أن عروة كان تحمل دية فأعانه فيها أبو بكر ﵁ بعون حسن.
ثم رجع عروة يتناول لحية رسول الله ﷺ وهو يكلمه والمغيرة بن شعبة واقف على رأس رسول الله ﷺ في الحديد فجعل يقرع يده إذا تناول لحية رسول الله ﷺ ويقول اكفف يدك عن وجه رسول الله ﷺ قبل أن لا تصل إليك فيقول عروة ويحك ما أفظك وأغلظك. فتبسم رسول الله ﷺ. فقال له عروة من هذا يا محمد. قال هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة. قال أي غدر! قال أي غدر! وهل غسلت سوأتك الا بالأمس.
ولشرح هذا الموقف نقول. المغيرة بن شعبة هو ابن أخي عروة. وقد كان أثناء حديث عروة مع رسول الله ﷺ قائمًا على رأس رسول الله ﷺ ومعه السيف بقصد الحراسة وعليه المِغْفَر (٩) فكان المغيرة كلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي ﷺ ضرب يده بنعل السيف (١٠) . وكانت عادة العرب أن يتناول الرجل لحية من يكلمه ولا سيما عند الملاطفة يريدون بذلك التحية والتواصل وفي الغالب إنما يصنع ذلك النظير بالنظير فربما رأى عروة لمكانته ورفعته في قومه إنه نظير للنبي ﷺ وما علم حينئذ أنه لا نظير له فاللائق منعه.
قال ابن هشام: أراد عروة بقوله هذا (أي غدر وهل غسلت سوأتك إلا بالأمس) إن المغيرة بن شعبة قبل اسلامه قتل ثلاثة عشر رجلا من بني مالك من ثقيف فتهايج الحيان من ثقيف بنو مالك رهط المقتولين والأحلاف رهط المغيرة فودى عروة المقتولين ثلاث عشر دية وأصلح الأمر.
وبعد أن قال عروة ما قال كلمه رسول الله ﷺ بنحو مما كلم أصحابه وأخبره أنه لم يأت يريد حربا.
فقام من عند رسول الله ﷺ ورجع إلى أصحابه وقد بهره ما رأى من احترام أصحابه ﷺ له فقال:
"أي قوم. فوالله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي. والله ما رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدًا. والله ما يتنخم نخامة الا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمرهم ابتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتون على وضوئه وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده اجلالا وتوقيرا وما يمددن النظر إليه تعظيما له وأنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ولقد رأيت قوما لا يسملونه لشيء أبدًا فروا رأيكم".
فلم يسمع القوم ما قاله عروة بن مسعود وما رغبهم فيه من الصلح فانصرف هو ومن تبعه إلى الطائف.
قال ابن اسحاق وحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ دعا خراش بن أمية الخزاعي فبعثه إلى قريش بمكة وحمله على بعير له يقال له الثعلب ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له فعقروا به جمل رسول الله ﷺ وأرادوا قتله فمنعته الأحابيش فخلوا سبيله حتى أتى رسول الله ﷺ.
وبعثت قريش أربعين أو خمسين رجلا منهم ليصيبوا لهم من أصحابه أحدًا فأخذوا أخذًا فأتى بهم رسول الله ﷺ فعفا عنهم وخلى سبيلهم وقد كانوا رموا في عسكر رسول الله ﷺ بالحجارة والنبل. ثم دعا عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له فقال: "يا رسول الله أني أخاف قريشًا على نفسي وليس بمكة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني. وقد عرفت قريش عدواني إياها وغلظتي عليها. ولكني أدلك على رجل أعز بها مني عثمان بن عفان فدعا رسول الله ﷺ عثمان بن عفان فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحربهم وأنه إنما جاء زائرًا لهذا البيت ومعظمًا لحرمته.
فخرج عثمان إلى مكة فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة أو قبل أن يدخلها فحلمه بين يديه ثم أجاره حتى بلغ رسالة رسول الله ﷺ (١١) . فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش فبلغهم عن رسول الله ﷺ ما أرسله به. فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله ﷺ إليهم. إن شئت أن تطوف بالبيت فطف. فقال: ماكنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله ﷺ واحتبسته قريش عندها.
فبلغ رسول الله ﷺ والمسلمين أن عثمان بن عفان قد قتل (١٢) .
وقيل أن عثمان بن عفان دخل مكة ومعه عشرة من الصحابة بأذن رسول الله ﷺ ليزوروا أهاليهم ولم يذكروا أسماءهم. وقيل أن قريشا احتبست عثمان عندها ثلاثة أيام وأشاع الناس أنهم قتلوه هو والعشرة الذين معه. وعلى كل حال أبطأ عثمان ﵁ عن الرجوع فقلق عليه المسلمون فلما بلغ ذلك الخبر رسول الله ﷺ قال لا نبرح حتى نناجز القوم أي نقاتلهم.
والظاهر أن أبا سفيان لم يكن بمكة وقتئذ لأننا لم نسمع له رأيا ونرجد أنه كان غائبًا في تجارة.

(١) البدنة ناقة أو بقرة تنحر بمكة. سميت بذلك لأنهم كانوا يسمنونها والجمع بدن.
(٢) العوذ جمع عائذ وهي الناقة ذات اللبن. والمطافيل الأمهات التي معها أطفالها والمراد أنهم خرجوا بما ذكر لارادة طول المقام وعدم الفرار.
(٣) لم يكن خالد بن الوليد قد أسلم خلافًا لما زعمه بعض المؤرخين من أنه كان مع المسلمين.
(٤) موضع قريب من مكة.
(٥) سيرة ابن هشام.
(٦) بمعنى اخلاط الناس.
(٧) يريد أن أصحاب ﷺ يفرون عنه غدا.
(٨) البظر في قول أبي بكر ﵁ هو الفرج واللات اسم صنم كانت تعبده ثقيف لأن عروة كان بالطائف فاللات كان معبوده.
(٩) زرد ينسج على قدر الرأس.
(١٠) وهو ما يكون أسفل القراب من فضة أو غيرها.
(١١) ابان بن سعيد بن العاس هو ابن عم عثمان أسلم بعد ذلك.
(١٢) ابن اسحاق.

1 / 414