مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدة
مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدة
اصناف
55 «فما كان العلامة الأولى على حضور العرب، كيانيا وإبداعيا، يفسد ويتراجع. فالعربي اليوم، بعبارة أخرى، لا «يعرف» الأساس الأول الذي عرف به الوجود، وأسس حضوره في التاريخ. لقد فقد حس اللغة، بالمغنى الذي يتحدث عنه ابن خلدون، وفي ذلك يبدو كأنه يجهل ما أعطاه هويته، أو يجهل ما هو.»
56
صفوة القول أن ما نفعله بأنفسنا هو انتحار جماعي بشع، يتضاءل بجانبه كل ما عانيناه من كروب وحروب، وأن تعريب التعليم، العام والجامعي، قد أصبح ضرورة بقاء، تستدعي منا استنفار كل جهودنا وتجنيد كل طاقاتنا.
الفصل التاسع
مزايا العربية
لا يطالب العربي بحماية لسانه فحسب، ولكنه مطالب بحماية العالم من خسارة فادحة تصيبه بما يصيب هذه الأداة العالمية من أدوات المنطق الإنساني بعد أن بلغت مبلغها الرفيع من التطور والكمال.
عباس محمود العقاد «اللغة الشاعرة»
تتمتع اللغة العربية بمرونة هائلة، واتتها بفضل الاشتقاق الذي لم يبلغ في لغة من اللغات مبلغه في العربية من سعة وانضباط واطراد، «وتمتلك العربية، فضلا عن ضمائم محدودة تجتمع أحرفها في لفظة «سألتمونيها»، أسلوبا آخر للتوالد تفتقر إلى مثله المجموعة الأوروبية، ويقوم على زيادة الأحرف والحركات أو الانتقاص منها في داخل الكلمة الواحدة، فالعربية لغة عمودية، تدور ألفاظها من حول الجذر أو «الجد» وفي داخل أحشائه، فيما تكتفي اللغات الأوروبية بالتفرع الخارجي من خلال الضمائم وحسب، فتظل أفقية المنحى.»
1 «هذه المرونة التامة في اللغة العربية، وهذه القدرة على الاشتقاق والمجاز والقلب والإبدال والنحت، هما اللتان مكنتا اللغة العربية من أن تكون لغة القرآن الكريم، والحديث الشريف، وما فيهما من معان رفيعة سامية، وتعبيرات دينية واجتماعية وتشريعية، ولم يكن للعرب بها عهد في جاهليتهم، كما استطاعت بعد ذلك أن تكون أداة لكل ما نقل من علوم الفرس والهند واليونان وغيرهم، ففي نحو ثمانين عاما من بدء العصر العباسي، كانت خلاصة كل هذه الثقافات مدونة باللغة العربية، على الرغم من أن العرب لم يكونوا يعرفون شيئا من مصطلحات الحساب والهندسة والطب، ولا شيئا من منطق أرسطو وفلسفة أفلاطون، فإذا هم وقد أصبحوا يعبرون بالعربية عن أدق نظريات إقليدس، وطب جالينوس، وحكم بزرجمهر، وسياسة كسرى، وما كانت تستطيع ذلك كله لولا ما بلسانهم من حياة ومرونة ورقي، وبذا خرجت العربية من هذا المأزق سليمة قوية واسعة، هي لغة الدين، ولغة العلم والفلسفة، ولغة الأدب، واضمحلت بجانبها كل لغات البلاد المفتوحة، فاللغة السريانية التي ترجمت إليها الكتب اليونانية، أخذت تتدهور بعد أن نقل ما فيها إلى اللغة العربية. والفرس في ذلك العصر أصبحت لغتهم العلمية والأدبية هي اللغة العربية، إن ألفوا وشعروا أو كتبوا فبالعربية، أما اللغة الفارسية فإنما كانت تستخدم في الحديث بين عامة الناس، أو في طقوس الديانة المجوسية. وكذلك اللغات الأخرى، من يونانية في الشام، أو قبطية في مصر. وكسبت اللغة العربية من ذلك أنها أصبحت في تأليفها وأدبها وعلومها نتاج كل هذه الأمم، تعبر عن كل أفكارهم، ويكسبون هم منها ما أفرزته من ثقافة دينية وأدبية.»
2 «كانت العربية لغة العولمة في خلال العصور الوسطى، وفرس الرهان لأعظم حضارات تلك الفترة المديدة، مما لين مفصلاتها وأثرى عدتها الدلالية واللفظية، وأتاح إغناءها بالتعريب والاشتقاق والنحت وتوليد المعاني والأساليب ، فإذا أريد بالصعوبة (أي صعوبة العربية) الغنى، جراء امتداد المدى الثقافي لأكثر من خمسة عشر قرنا، وفوق رقعة فسيحة من العالم القديم، فتهمة الصعوبة هذه تشكل مدحا في باب الذم!»
نامعلوم صفحہ