مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدة
مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدة
اصناف
38
يقول شبلي شميل: «تحيا اللغة بحياة الأمم، وحياة الأمم إنما تكون بعلومها وصناعاتها، وحياة العلوم والصناعات بالعلماء والصناع منها؛ فإذا خلت أمة منهم ذهب استقلالها وكان القضاء عليها أمرا محتوما. ومن يوم تحول علم الطب في مدارس مصر وسورية إلى الإنجليزية والفرنسية فقدت اللغة أقوى أركانها العلمية حتى صار من الصعب عليها جدا اللحاق بالعلوم الطبيعية في سيرها السريع.»
39
وما لنا لا نقتدي بأسلافنا في العصر العباسي، الذين سادوا زمانهم، وملكوا لغتهم فتصرفوا تصرف السادة الأحرار، لم تملكهم اللغة التي عشقوها وأجلوها، ولو أن ذلك حدث لجمدوا وجمدوها، ولكنهم أحسنوا توظيفها في الحضارة الجديدة المتفتحة أمامهم، فطوعوها وأغنوها، وجعلوها - كما رأينا - عنصرا أساسيا في قيام هذه الحضارة، بل في صياغة علم عالمي ما زالت الإنسانية تجني ثماره المتجددة.
40
لقد أدى هذا السلف العظيم مهمته على خير وجه، وها نحن نقف على محك مماثل، وقد عرضت علينا أمانة تاريخية فهل نحن حاملوها؟ أمانة خدمة اللغة وإثرائها وتجديد دمائها، وعصرنتها بحيث يمكنها أن تكون لغة بحق: تعبر عن قضايا العصر وعلومه، وتسهم في بناء الحضارة بسهم. (3-1) تعريب العلم أفتك سلاح ضد الإرهاب
لا تعشش الخرافة وتفرخ إلا في خراب لغوي.
حين تجري الحداثة والمفاهيم العلمية والفلسفية الجديدة في عروق اللغة، فإنها بالفعل ذاته تجري في العقول التي تشكلها اللغة. العلم حق، ويوم يتحدث العلم بالعربية ستتبدد من عقولنا، تلقائيا، قطع الظلام وتفر الخرافة التي لا تعشش ولا تفرخ إلا في العقول المظلمة الكسولة. تعريب العلم خروج بنا من كهفنا التاريخي، وحل لكل ما نعانيه من موات واستنامة وانكفاء، العلم حق، وتعريب العلوم بمثابة جيش من جند الله الحقيقيين كفيل مع الزمن بدحر قوى الظلام في عقولنا دون إراقة نقطة دم واحدة، لماذا لا نجرب هذا الحل؟
يسيء الظن بالعربية من يخشى على العربية من لغة العلوم، العربية لغة شديدة المرونة هائلة الجرم تتطور «من داخلها»، تهضم العلم ولا يهضمها العلم، وكل ما يتم في العربية من ترجمة أو تعريب هو رصيد يضاف إلى العربية ويثريها، ويفتق فيها عوالم جديدة، وينقل إليها أجواء ومناخات مغايرة، ولا ضير البتة من أخذ اللفظ الأجنبي كما هو وتعليمه العربية! أعني «تعريبه»: أي تطويعه للمقتضيات الصوتية والصرفية للغة العربية، بحيث «يستعرب» ويصبح عربيا ونكاد ننسى أصله الأجنبي: فنقول: «أكسجين»، «أكسيد»، «هدرجة»، «بلمرة»، «بروتون»، «بروتين»، «هرمون»، «إنزيم»، «برلمان»، «فلسفة»، «جيولوجيا»، «جغرافيا»، «بيولوجيا» ... من شأن ذلك أن يحيي العربية ويضيف إليها البعد العلمي، ويبعثها من رقادها لتكون لغة حياة ولا تعود لغة موت، هنالك يتعذر على الكهفيين اختطافها واختطاف «تراثها» المجيد وإخراسه وتسخيره لخدمة الظلام والتخلف. (3-2) النبوءة المحققة لذاتها
لا يزال الناعي الكاذب ينعب حتى يصدق نعيه!
نامعلوم صفحہ