فأما الرياح التي تكون في الماء وتخرج منه مع ابتداء المد فإنما يكون ذلك في المواضع التي يكون فيها ابتداء المد والمواضع القريبة منها فأما في الشطوط وأرجل البحار والمواضع النائية من لجة البحر فإنه قل ما يكون فيه هبوب الرياح وليس الوقت الذي يتبين فيه أول المد والجزر لأهل الشطوط والسواحل وأرجل البحار هو وقت ابتداء المد والجزر الذي يكون في البحر بل يختلف اختلافا كثيرا حتى يظن كثير من الناس لما يرون من كثرة اختلاف ابتدائه في المواضع المختلفة أن القمر ليس بعلة المد والجزر لأن ابتداء قوة المد في البحار إنما يكون في كل موضع عميق واسع كثير المياه وغليظها ويكون الغالب على أرضه الصلابة أو كثرة الجبال ويكون موضع القمر أفقا لهم وتقرب تلك المواضع من مسامتة القمر وطريقه فإذا ابتدأ المد في هذه المواضع في وقت من الأوقات فإنه يتصل بسائر مياه البحر إلا أنه لا يصير المد إلى الشطوط وأرجل البحار إلا وقد مضى من ابتداء المد في البحر في المواضع التي ذكرنا زمان من الأزمنة على قدر قرب وبعد الشطوط وأرجل البحار من تلك المواضع لأن الشطوط والجزائر وأرجل البحار التي تقرب من المواضع التي تكون فيها ابتداء قوة المد يتبين فيها المد قبل أن يتبين في المواضع التي تبعد عنها فإذا بعدت شطوط البحر وأرجله ومغائضه من المواضع التي تكون فيها ابتداء المد فإنما يبلغ إليه المد عند قرب انتهائه في البحر وكذلك الجزر فيتهيأ أن يكون المد في بعض الجزائر والشطوط البعيدة من المواضع التي يبتدئ فيها المد في وقت الجزر في البحر ويتهيأ وقت جزرهم في وقت ابتداء مد البحر فإنما يكون ذلك لبعد تلك المواضع من المواضع التي يكون فيها ابتداء قوة المد والجزر الفصل الخامس في علة المد والجزر
قد أكثر المتقدمون في علة المد والجزر واختلفوا في ذلك فندع الآن ذكر اختلافهم فيهما إذ لا منفعة فيه وأذكر ما يوافق قول الفلاسفة فيهما فأقول إن المد والجزر إنما يكونان باجتماع ثلاثة أشياء أحدها حال مكان الماء والثاني حال الماء والثالث تحريك القمر للماء
فأما الأول فهو أن يجتمع الماء في مواضع عميقة عريضة طو يلة يكون مسيره زمان من الأزمنة ويكون فيها جبال في مواضع كثيرة مختلفة ويكون الغالب على مواضع كثيرة من أرضه صلابة وكثافة الأجزاء المجتمع فيها الرياح الكثيرة لأن الأرضين الصلبة المتكاثفة الأجزاء ومواضع الجبال يجتمع فيها الرياح أكثر من اجتماعها في الأرضين الرخوة
صفحہ 272