166

مذكرات الشباب

مذكرات الشباب

اصناف

أترع العالم سلاما فتاه غرورا فاندفع إلى الحرب بكل قوته، فطال به مداها فابتلعت كل ما توفر له من شباب ومال وسلام، وها نحن في سنة 1924 نرجو السلام فإذا السلام سراب، ونطلب المال فإذا المال وعود تضطرب، ونطلب الشباب فإذا الشباب خلو من خير ما في الشباب، وإذا الشباب خلو من الإيمان بالحياة والأمل فيها والميل لغورها، إذا الشباب يرى الحياة قشورا ويأسا ولهوا.

تغير العالم بين سنة 1914 وسنة 1924 وتغيرت مصر كذلك، كانت مصر قبل الحرب وادعة تعمل في جد، وتعالج فروع الحياة المختلفة، وتسعى للإصلاح جهدها، حاسبة دائما حساب الإنكليز ووقوفهم في وجه كل حركة وكل نزعة استقلالية، أما مصر في سنة 1924 فلا تزال في اندفاعها الذي بدأته سنة 1918، ونسيت فروع الحياة وعلاجها وقامت تطلب استقلالها التام، وقد أتيح لها بفضل جهود أبنائها جميعا أن تزحزح الإنكليز عن موقفهم موقف العنت في وجه كل إصلاح، لكنها مع الأسف لم تفد من ذلك كثيرا؛ لأن الطوائف الصاخبة رفعت إلى منصة الحكم قوما لا يعرفون الإصلاح ولا يقدرون ما يصلح حياة المجموع.

وتغيرت أنا أيضا ... ومن ذا الذي لا يتغير؟ انتقلت من حياة إلى حياة فإلى حياة ثم إلى حياة أخرى، كنت في سنة 1914 الدكتور هيكل المحامي بالمنصورة، وكنت سعيدا تفيض بي المسرة، معافى من المرض، وحيدا لا أسأل عما أفعل، وكنت أجد فراغا من الوقت وطمأنينة إلى النفس يسمحان لي أن آخذ بنصيب فيما يحلو لي من ملذات الحياة، وكانت القراءة وكان التفكير الحر أحب هذه الملذات لنفسي وأحلاها عندي، وكنت ولا أزال في بدء الصبا وميعة الشباب لا أجد في الحياة إلا بسمات تفتر أحيانا عن ضحكات وعن قهقهات، وكان جو الوجود صفوا تجاوب فيه الضحكة الضحكة ويلتقي فيه الابتسام بالابتسام، فلما ارتحلنا إلى لبنان ثم حمي وطيس الحرب واضطرب نظام سير البواخر استشارني رفيقي الرافعي في أمر العودة حتى لا تؤخذ علينا المسالك ونحبس في دار الحرب، فكان جوابي في ابتسام: إن خانتنا الباخرة فلن يخوننا ظهر الجمل.

ولم يكن أيسر من رحلتنا إلى لبنان يومئذ، لم نفكر في جواز السفر لحظة؛ لأنا لم نكن بحاجة إلى جواز سفر، ولم نفكر في الالتجاء إلى الحكومة، ولا في أمر الجمرك؛ لأن الأفراد كانوا أحرارا تحمي الحكومات حريتهم ولا تعتدي عليها، ولم يجل بخاطرنا أنا نجد في طريقنا إلا ما نريد ما دمنا لا نريد شرا ولا نكرا .

عدت ورفيقي من لبنان بعد ثلاثة أسابيع قضيناها في ربوعها بعيدين عن ضجة السياسة، جاهلين ميول الناس في مصر، مكتفين بالأخبار تنقلها إلينا صحف بيروت في الصباح لتكذبها صحف بيروت في المساء، عدنا على نفس الباخرة برنس عباس، وكانت يومئذ مكتظة بالعائدين الذين قنعوا بالقليل من الوقت قضوه في أحضان الطبيعة مخافة أن يمتد لهيب الحرب إلى تركيا فتصبح العودة إلى مصر محفوفة بالخطر، وتصبح الطبيعة الناضرة الباسمة كالحة عبوسا، ولم يكن للعائدين جميعا حديث غير حديث الحرب، ولم يكن لهم أمل إلا أن ينتصر فريق على فريق؛ ذلك بأنهم وهم جميعا من أمم محكومة كانوا يرجون في انتصار فريق على الآخر السبيل لحرية بلادهم وسعادتهم.

أما أنا فعدت إلى مصر أبعد ما يكون عن الميل لأي من الفريقين، فلما رأيت الناس تتعسهم الأهواء وتتنازعهم الشهوات أبديت رأيي في وجوب وقوف المصريين موقف الحياد، وأردت أن آخذ في الحركة السياسية الجديدة بمثل النصيب الذي كان لي قبلها، لكن الحرب وما ترتب عليها من إعلان الأحكام العرفية الإنكليزية، والمراقبة الصحفية وما أعقبها من إعلان إنكلترا حمايتها على مصر، وتطور الظروف بعد ذلك تطورا جعل كل تكهن بانتهاء الحرب عقيما، ذلك كله جعلني أميل عن السياسة لآخذ بأسباب البحث العلمي، فاستقصيت ما استطعت نظرية الجبر والاختيار وفكرة المسؤولية، وكتبت ما استقر عنده رأيي ونشرته في المقتطف، على أن هذا البحث لم يكف لسداد ميولي، فاشتغلت بالتدريس في قسم العلوم الجنائية بالجامعة المصرية سنة 1917، وبالتدريس في هذا القسم وفي قسم الحقوق سنة 1918 وسنة 1919 وسنة 1920 وسنة 1921 وسنة 1922، وقد استغرق التدريس أوقات قراءتي وبحثي، وكنت قد تزوجت سنة 1918، وكانت الحركة السياسية قد قامت سنة 1919 فأخذت فيها بنصيب جدي، واشتركت مع إخواني الذين ألفوا الحزب الديمقراطي كما اشتركت مع العاملين من الشبان في مختلف نواحي الحركة، ورزقت ممدوح والحركة الوطنية في أشدها.

وفي سنة 1921 نشب الخلاف بين عدلي باشا وسعد باشا، وكنت واقفا على مقدماته وأسبابه وكنت عليما بخفاياه ومخبآته، وكان سعد باشا قد بدأ يفكر تفكيرا جديا في أن يكون وحده وكيل الأمة ورمز أمانيها وعنوان استقلالها، والكل الذي تنبعث منه في البلاد كل حياة وكل فكرة وكل حركة، فلم يكن بد من الوقوف في وجه هذا التيار الذي أودى بحياة الحركات الوطنية في كل أمة قام فيها، وقد صادفت فكرتي هذه قبولا لدى إخواني أعضاء الحزب الديمقراطي الذين رأوا معي ما في الدكتاتورية من قضاء محتوم على الفكرة الديمقراطية، فوقفنا في صف الأقلية، وقفنا نحن أعضاء الحزب الديمقراطي العاملين بعيدين عن الاتصال بأية هيئة سياسية حريصين كل الحرص على حريتنا محتفظين بما تقضي أنفة الشباب الاحتفاظ به، لكن موقفنا هذا كان دقيقا محفوفا بالأخطار والمصاعب.

فقد كان من بيننا أعضاء قضت عليهم ميولهم الطائفية بالانضمام علانية إلى سعد باشا، وكان من بيننا آخرون أغراهم حب المظهر والولع بالهتاف إلى السير في طريق الأولين، وكان من بيننا كذلك أعضاء رأوا في التقرب من عدلي باشا ومن الحكومة سدادا لشهوات تقابل شهوات الأولين، وكان هؤلاء أشد إضرارا بالحزب لأنهم أظهروه في نظر السواد بمظهر المنتمي للحكومة، والله يعلم وعدلي باشا وسعد باشا يعلمان أنه كان حزبا بعيدا عن الانتماء لأية هيئة أو سلطة بعيدا عن الخضوع إلا لما تملي به ضمائر المتقدمين من أعضائه وذممهم.

وكان من أثر هذا الانفراج في الميول بين أعضاء الحزب والبعض الآخر وابتعاد عدد غير قليل من الفريقين عن مركز قيادة الحزب أن ضعف سلطانه بعض الضعف، لكنا استمسكنا بموقفنا، فلما انقطعت المفاوضات الرسمية في سنة 1921 كان الحزب أول من أعلن فكرة عدم التعاون مع الإنكليز في ظل مذكرة 3 ديسمبر، ولما نفي سعد باشا كان الحزب أشد هيئات الأمة حرصا على التمسك بفكرة عدم التعاون؛ لذلك ليس من الغلو في شيء أن يقال إن الحزب كان له أثر كبير في اقتناع الإنكليز بضرورة الاعتراف باستقلال مصر، بل إن من الحق أن يقال إن الحزب الديمقراطي كان هو الهيئة الوحيدة التي أثبتت في تقريرها عن مشروع لورد ملنر ضرورة إعلان إنكلترا إلغاء الحماية والاعتراف بالاستقلال بصك منفرد كالصك الذي أعلنت به الحماية؛ لأن الاستقلال حق طبيعي لا يجوز التعاقد عليه.

أعلنت إنكلترا إنهاء الحماية واعترفت باستقلال مصر، فتألفت على أثر ذلك وزارة ثروت باشا، وفكرت في تأليف لجنة لوضع الدستور من الأحزاب والهيئات المختلفة، ولما خاطبت ثروت باشا في أمر تمثيل الحزب الديمقراطي في اللجنة أخبرني أنه لا يرى مانعا على أن يبدي الحزب له في الأمر رأيا بالقبول، وليس هنا محل لذكر الأسباب التي منعت من قبول هذه الفكرة عند زملائي، فالتحقت بإخواني أحمد بك أمين أستاذ القانون الجنائي بمدرسة الحقوق ومحمد بك متولي السكرتير العام المساعد لمجلس النواب حالا ومحمود بك صادق القاضي بالمحاكم الأهلية والشيخ عبد العزيز البشري القاضي بالمحاكم الشرعية في سكرتارية لجنة الدستور؛ حرصا على تحقيق بعض مبادئ كنت حريصا على أن تحقق.

نامعلوم صفحہ