مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان
مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة ما يعتبر¶ من حوادث الزمان
ناشر
دار الكتب العلمية
ایڈیشن
الأولى
اشاعت کا سال
١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م
پبلشر کا مقام
بيروت - لبنان
عبد العزيز: قد عزم أمير المؤمنين على الركوب في زلال في نهر الأبلة ثم يخرج إلى دجلة، ويرجع في نهر معقد، وأحب أن يكون معه رجل عالم بالقصور والأنهار والقطائع، ليصفها له، فقال: لا أعرف من يفي بهذا، ويصلح له غير الأصمعي، قال: فأتني، فأتيته فتحدث بين يدي جعفر، فأضحكه وأعجبه، فأدخله إلى الرشيد، فركب معه، فجعل لا يمر بنهر ولا أرض إلا أخبر بأصلها وفرعها، وسمى الأنهار، ونسب القطائع، فقال الرشيد لجعفر: ويحك، ما رأيت مثل هذا قط، من أين غصت عليه؟ فلما قارب البصرة قال للرشيد: يا أمير المؤمنين والذي شرفني بخطابك، إن لي من كل ما مررت به موضع قدم، فضحك الرشيد وقال: اشتر يا جعفر أرضًا، فاشترى له بنهر الأبلة أربعة عشر جريبًا بألف وأربع مائة دينار، وكان جعفر قد نهاه عن سؤاله، ووعده بكل ما يريد، فقال له: أما نهيتك عن سؤاله؟ قال: انتهزت الفرصة، فأخبرته خبري فكرم.
وقال الأصمعي: كنت بالبادية. كتب كل شيء أسمعه، فقال أعرابي منهم: أنت كمثل الحفظة، تكتب اللفظة، فكتبه أيضًا، قال: خرجت مع صديق لي بالبادية، فبينا نحن نسير، إذ ضللنا الطريق،، ثم نزلنا فإذا خيمة، فقصدناها فسلمنا، فإذا امرأة ترد علينا السلام، وقالت: ما أنتم؟ قلنا: قوم مارون أضللنا الطريق، فرأيناكم، فأنسنا بكم، فقالت: ولوا وجوهكم حتى أقضي من زمانكم ما أنتم له أهل، ففعلنا، فطرحت لنا مسحًا وقالت: اجلسا حتى يجيء ابني، فيقوم بما يصلحكم، فجلسنا، فجعلت ترفع طرف الخيمة وتنظر، إلى أن نظرت فقالت: أسألك الله بركة المقبل، أما البعير فبعير ابني، وأما الراكب فليس بابني، فجاء الراكب حتى وقف عليها، فقال: يا أم عقيل عظم أجرك في عقيل، قالت: ويحك، أمات ابني؟ قال: نعم، قالت: وما سبب موته؟ قال: ازدحمت الإبل على ابنك، فرمت به في البير، قالت: انزل، فاقض زمام القوم، فنزل فذبح لنا كبشًا وأصلحه مع ملح، وقربه إلينا، فأكلنا ونحن نتعجب من صبرها، فلما فرغنا خرجت إلينا فقالت: يا هؤلاء: هل، فيكم أحد يحسن من كتاب الله ﷿ شيئًا؟ قال: قلت نعم، قالت: فاقرأ علي آيات من كتاب الله أتعزى بها، قال: فقلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون "، فقالت: الله إنها لفي كتاب الله هكذا؟ قلت: الله إنها لفي كتاب الله هكذا، قالت: فالسلام عليك، ثم قامت فصفت قدميها، ثم صلت ركعتين، ورفعت يديها، وهي تقول: إنا لله وإنا إليه راجعون وعند الله أحتسب عقيلًا، تقول ذلك ثلاثًا، ثم قالت: اللهم إتني قد فعلت ما أمرتني، فأجزل ما وعدتني.
2 / 50