فصل
هذا الفصل في بيان أحوال المفقود
وهو غائب لم يدر موضعه وحياته وموته
قوله: (المفقود حي في ماله فلا يورث) يعني لا يقسم ماله بين ورثته (حتى يحكم الحاكم بموته إذا مات أقرانه) لأنه إذا لم يبق أحد من أقرانه: دل ذلك على موته، فحكم بموته، لأن بقاءه بعد أقرانه نادر، وتبنى الأحكام الشرعية على الغالب لا على النادر (وقيل: يحكم بموته بعد تسعين سنة) وأبو يوسف قدره بمائة سنة، وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه قدره بمائة وعشرين سنة، وظاهر الرواية: ما قاله المصنف.
والمختار: أنه يفوض إلى رأي الإمام، لأنه يختلف باختلاف البلاد، وكذا غلبة الظن تختلف باختلاف الأشخاص، وذلك في ثلاثة أقسام: إما في المكان، أو في الزمان، أو في ذات المفقود.
أما المكان: وهو الموضع الذي سافر فيه، إما أن يكون بحرًا أو برًا، فإن كان بحرًا: عجل في حكم موته، وإن كان برًا: أخر.
أما الزمان: فإن كان سفره في زمن الأمن: أخر، وإن كان في زمن الفترة: عجل.
وأما في الذات: وهو في حال سفره: إما أن يكون صحيحًا أو سقيمًا، أو شيخًا أو شابًا، فإن كان سقيمًا أو شيخًا: عجل، وإن كان صحيحًا أو شابًا: أخر.
قوله: (وهو) أي المفقود (موقوف في الحال في مال غيره، فيتوقف نصيبه فيه) أي من الغير، كما في الحمل، لأن حياته باستصحاب الحال، وذلك لا يصلح للاستحقاق، وأما توقف نصيبه: فللاحتياط (وإذا حكم بموته: فماله لورثته الموجودين عند الحكم بموته، والموقوف له) أي للمفقود (من مال غيره: يرد إلى ورثة ذلك الغير).
الأصل في تصحيح مسائل المفقود: أن تصحح المسألة على تقدير حياته، ثم تصحح على تقدير وفاته. وصورة المسألة: امرأة ماتت وتركت زوجًا وأمًا وأختًا لأب وأم، وأخًا لأب وأم مفقودًا، فالمسألة تصح من ثمانية عشر على تقدير الحياة، وعلى تقدير الوفاة: من ثمانية، فإذا ضرب وفق أحدهما في جميع الأخرى: تصير اثنين وتسعين، للزوج سبعة وعشرون، وتسعة موقوفة من نصيبه. وللأم: اثني عشر، وستة موقوفة من نصيبها، وللأخت: تسعة وأربعون، وثمانية عشر موقوفة من نصيبها.