منهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس
منهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس
ناشر
دار الهداية للطبع والنشر والترجمة
اصناف
عقائد و مذاہب
اللهم، فشفعه في ". فإن هذا الحديث قد استدل به طائفة على جواز التوسل بالنبي ﷺ في حياته وبعد مماته. قالوا: وليس في التوسل به دعاء للمخلوقين، ولا استغاثة بالمخلوق، وإنما هو دعاء واستغاثة بالله، لكن فيه بجاهه، كما في سنن ابن ماجه عن النبي ﷺ أنه ذكر في دعاء الخارج للصلاة أنه يقول: " اللهم إنى أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاى هذا، فإنى لم أخرج أشرًا ولا بطرا ً، ولا رياءً ولا سمعةً. خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذنى من النار، وأن تغفر لى ذنوبى، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ".
قالوا: ففي هذا الحديث أنه سأل بحق السائلين عليه، وبحق ممشاه إلى الصلاة، والله تعالى قد جعل على نفسه حقًا، قال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]، ونحو قوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْؤُولًا﴾ [الفرقان: ١٦] . وفي الصحيحين عن معاذ، أن النبي ﷺ قال: "أتدرى ما حق الله على العباد؟ ". قال: الله ورسوله أعلم، قال: "أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا. أتدرى ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ فإن حقهم عليه أن لا يعذبهم ". وقد جاء في غير حديث: " كان حقًا على الله كذا وكذا " كقوله: " من شرب الخمر لم يقبل له صلاة أربعين يومًا، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد وشربها في الثالثة أو الرابعة كان حقًا على الله أن يسقيه من طينة الخَبَال " قيل: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: " عصارة أهل النار "، وأمثال ذلك كثير.
وقالت طائفة: ليس في هذا جواز التوسل به بعد مماته وبعد مغيبه، بل إنما فيه التوسل في حياته بحضوره، كما في صحيح البخارى أن عمر بن الخطاب ﵁ استسقى بالعباس، فقال: "اللهم إنا كنا إذا أجْدَبْنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعَمِّ نبينا فاسقنا، فيسقون ". وقد بين عمر ﵁ أنهم كانوا يتوسلون به في حياته فيسقون.
وذلك التوسل: أنهم كانوا يسألونه أن يدعو الله لهم، فيدعو لهم، ويدعون معه، فيتوسلون بشفاعته ودعائه، كما في الصحيح عن أنس بن مالك: "أن رجلًا دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان نحوًا من دار القضاء، والرسول ﷺ قائم
1 / 185