من شقوق الظلام: قصة سجين أكثر ما يؤرق فيها أنها لم تنته بعد
من شقوق الظلام: قصة سجين أكثر ما يؤرق فيها أنها لم تنته بعد
اصناف
بالعودة لقصة الشاب المحتضر، بعد تفاقم وضعه بدأت المخاوف الحقيقية من هبوط طائر الموت علينا من جديد تأخذ بعدا حقيقيا، حينئذ اتصل أحد أفراد الخدمات بالأمن من خلال جهاز اتصال داخلي قائلا له: «إنه يحتضر ويكاد يموت.»
رد عليه أحد رجال الأمن عليهم بوقاحة وصلافة واستهتار : «إذا مات لفه في بطانية وارمه خارج الزنزانة.»
كلمات رجل الأمن المتهتكة سمعها عدد كبير جدا من السجناء مباشرة؛ لأنه كان يتكلم عبر سماعة جهاز محاكاة داخلي. كانت مؤلمة ولها وقع قاس في نفس كل من سمعها، لما فيها من استهانة بالغة وازدراء شعر بها السجناء، صداها تردد في كل الزنزانات بعد أن تناقلتها الألسن.
نهاية هذا الشاب صارت عند كل واحد منهم نموذجا مثاليا لنهايتهم، وإنهم سيموتون جميعا بهذه الطريقة ويرمون مثل جيفة على قارعة الطريق لا يعبأ أحد لهم، ولن يحظوا حتى بمدفن لائق يستريحون فيه بسلام بعد رحلة الحياة المضنية بعذاباتها وآلامها. وقبل أن يمر وقت لتجرع هذه الإهانة وإذا بالخبر الصاعق ينزل ويدخل القسم في صمت رهيب وحزن عميق وغضب عظيم يغلي في الصدور. «لقد مات!»
الموت بوقعه المزلزل حادث مج لا تستسيغه النفوس، فكيف به وقد تزامن مع هذه الإهانة والاستخفاف. أصاب الذهول عقول السجناء والغضب بلغ أوجها وبدأ يفور في الصدور ينشد منفذا يخرج منه، ويزيد من غليانه الجسد المسجى أمامهم بلا حراك، كل شيء كان ينذر بانفجار عظيم. وعند الغلس دخل رجال من الأمن لإخراجه ملفوفا ببطانية كما وعدوا من قبل، السجناء كانوا كلهم مستيقظين مترقبين، وهمهمة احتجاج خافتة تسري مثل ريح ناعمة تسبق إعصارا.
ما إن فتح باب الزنزانة - يريدون سحب جثمانه - وإذا بصرخة احتجاج هادرة تنطلق من زنزانة ما مثل بركان يقذف أول حممه، وإذا بالسجن كله ينفجر معها بهتافات احتجاج مدوية مثل سيل جارف لا يتوقف ولا يخبو، بل يزداد مضيا في جريانه وتدفقا كلما سار إلى الأمام. ذهل رجال الأمن من هول الموقف وأسرعوا راكضين مع الجثمان مغلقين باب الزنزانة على عجل ومثله كذلك باب القسم الخارجي وهم يرتجفون من شدة الفزع. تظاهرة احتجاجية في جمهورية الخوف والقمع الرهيب، من يصدق هذا؟!
حدث وقع عجيب لهذا الاحتجاج؛ إذ إنها وقعت في آخر الليل مع إشراقة الفجر الأولى حيث يخيم الهدوء، صرخات مئات السجناء بأعلى أصواتهم مزقت ليل السجن والخوف وطلعت مع الفجر في روح كل نزلاء سجن «أبو غريب». تظاهرة تحد، كشفت عن ثائر أشوس قابع وراء القضبان ومقدام جسور لا تحجزه القيود ولا السلاسل. حدث قال بصريح العبارة: هنا يسكن الذين لم ترهبهم سنوات الإخفاء القسري، والذين لم تنل المعاملة الوحشية من عزيمتهم الجبارة، بل يواصلون تحدي أعتى نظام. صيحة وصلت إلى كل أرجاء السجن، وحار الأمن كيف يتعاملون مع الموقف؛ لأن إدارة السجن صارت تخشى انتقال عدوى الاحتجاج إلى أقسام أخرى. وحينها يصبح السجن في طريق الخروج عن سيطرة الأجهزة الأمنية بالكامل.
في أول النهار حاول رجال الأمن تجاوز الموقف رغم خطورته بتجاهل الحدث وإدخال الفطور الصباحي، إلا إنهم جوبهوا برفض شديد من السجناء وبمواصلة الاحتجاج، صار الموقف أكثر تعقيدا مع بدء الإضراب عن الطعام واستمراره طيلة النهار، مما استدعى تدخلا خارجيا من إدارة أمنية عليا بعد عجز إدارة السجن عن احتواء الموقف، وانتهى الإضراب إلى وعود نفذت على الفور بتحسين جزئي للأوضاع وإجراء أول مواجهة لعدد محدود من السجناء مع أهاليهم. تبعه تخفيف الضغط قليلا بفتح أبواب الزنزانات في ساعات محددة من النهار ليحظى السجناء - ولأول مرة - بحرية الحركة بين الزنزانات ولو كانت لثلاث ساعات فقط في اليوم، إلا أنها كانت انفراجة كبيرة.
بهذه الإجراءات الجزئية اليسيرة حاول الأمن احتواء الموقف المتفجر، ومن ثم يعاودون إجراءات القمع والتعذيب بعد امتصاص الغضب وتهدئة الثورة مستعينين بواحد من الخونة الذين فقدوا قوتهم فيما سبق للحصول على أسماء المحرضين على الاحتجاج. وبالفعل قام هذا الخائن وهو الشخص الوضيع نفسه الذي كان مراقبا في أول زنزانة دخلت فيها في السجن، بمحاولة إيصال معلومات خطيرة إلى رجال الأمن بصورة خفية، إلا أن أمره كشف وتعرض بعدها لمحاصرة ومضايقة من كل السجناء وتحولت حياته إلى جحيم في حكاية سوف يأتي وقتها.
خطط الأمن لبدء الثورة المضادة وإجهاض مكاسب الاحتجاج، بافتعال حادثة صغيرة يجري تطويرها إلى قضية كبيرة، وإنزال عقوبات قاسية بالسجناء ومن ثم تعود سلطة الخوف من جديد للتحكم بالمشهد. بعد التطورات ونتيجة للاحتجاج منح السجناء حق البقاء خارج الزنزانات إلى منتصف النهار ليعاد إقفالها عليهم من جديد حتى صباح اليوم التالي. كانت هذه السويعات القليلة فرصة للحركة وتبادل الزيارات بين السجناء، وساهمت في تخفيف الضغط النفسي وتخفيف التوتر وفتحت ممرا ضيقا للتمتع بالحرية. إلا أن رجال الأمن لم يرق لهم هذا التحول في حياة السجناء وخططوا لإعادة حقبة التضييق والتعذيب المنهجي. وفي نهار دخلوا فجأة بهراوات يصرخون ويضربون السجناء لإجبارهم على الدخول المبكر إلى الزنزانات بلا أي مبرر، إلا أن حساباتهم كانت غاية في الخطأ في التوقيت ولم يقدروا الموقف جيدا، ولا أخذوا بنظر الاعتبار أنهم في مواجهة مع سجناء سياسيين، عدد ليس بالقليل منهم امتهن المعارضة، ويبرع في حشد الأنصار وإثارة العواطف والحماس، وكثير أصابه يأس من الظروف المزرية ويتشوق للمواجهة مع رجال الأمن خلاصا من حياة لم تعد لها قيمة عنده ولا يكترث لها.
نامعلوم صفحہ