والحق أن في هذا كله شيئا من الغلو كثيرا فالقصة جيدة، بل فوق الجيدة كما سترى، ولكن مسيو «فرانسوا دي كوريل» رجل موفق، حسن الحظ مع الناقدين، فكل ما يكتبه جيد، وكل قصصه آيات، ولقد شهدنا بعض قصصه تمثل في ملاعب باريس، فلم تحدث في أنفسنا هذا الأثر الذي يصفه النقاد، ولم تهز قلوبنا هذه الهزات العنيفة التي يتحدث النقاد عنها، ولكننا انصرفنا نتهم حسنا وشعورنا، وحكمنا على الجيد والرديء، ونقول في أنفسنا ما كان هؤلاء النقاد ليجمعوا على خطأ أو تدليس، ولكننا رأينا كثيرا من أوساط الناس في فرنسا لم يتأثروا بهذه القصص. وإنما شهدوها دهشين، وخرجوا من الملعب حائرين؛ ذلك لأن مسيو «فرانسوا دي كوريل» في قصصه التمثيلية يدرس العاطفة والشعور والغريزة، ويحللها تحليلا دقيقا، ولكنه لا يتحدث بهذا التحليل إلى العاطفة أو الشعور، وإنما يتحدث إلى العقل وإلى العقل وحده، فقصصه رسائل فلسفية، تحسن فهمها، والاستفادة منها إذا قرأتها في دعة وهدوء، ولكنك لا تتأثر بها إذا شاهدتها في الملعب؛ لأن هذا الملعب وما فيه من جمهور، وما فيه من حركة الممثلين ولعبهم يشغلك عن دقائقه الفلسفية، فتخرج ولم تفهم أو لم تكد تفهم شيئا.
الأمر على غير ذلك في هذه القصة التي نحن بإزائها، فنحن لم نشهد هذه القصة وإنما قرأناها، ونلاحظ أننا لم نتأثر بقراءتها تأثرا يلائم ما قيل عنها، ولكننا لا نشك في أن الذين شهدوا هذه القصة قد دهشوا؛ لأنهم رأوا كاتبا جديدا يتحدث إليهم حديثا جديدا، فيملك قلوبهم، وأهواءهم، ويجعلهم وقفا على حركات الممثلين، وما يجري بينهم من حوار.
ولسنا نشك في أن المزية الأولى لهذه القصة إنما هو الموقف الذي استطاع الكاتب أن يخلقه، فيقف عاطفتين من أشد العواطف الإنسانية سيطرة على الحياة، واستئثارا بالنفوس، يقف إحداهما بإزاء الأخرى، وهاتان العاطفتان هما: الحب، والخوف، ولكنك لن تستطيع أن تفهم ذلك حق الفهم إلا إذا لخصنا لك القصة في ألفاظ قليلة.
يجب أن تلاحظ أن الكاتب من بلاد «اللورين»، وأنه قد ألهم هذه القصة لحادثة معينة، وهي أن أحد الطيارين الفرنسيين، ولعله «فدرين»، قد نزل أثناء الحرب في أرض له في «اللورين» وراء الخطوط الألمانية، فاتخذ الكاتب من هذه الحادثة موضوع قصته، وهو سهل.
في إحدى قرى «اللورين»، وعلى مسافة من القرية يقوم منزل تسكنه امرأتان، إحداهما «بولين باريزو»، والأخرى أختها «أنا»، فأما «بولين» فهي أرملة، ولكن لها ابنا ترك «اللورين»، وذهب إلى فرنسا، فاسترد جنسيته الفرنسية، ونبغ في المحاماة والأدب، فلما أعلنت الحرب أدى خدمته العسكرية على أحسن ما يؤديها الوطني المخلص، وكان قبل الحرب ضعيفا يخاف ويكره منظر الدم، وبينما أمه وخالته ذات يوم تتحدثان إذ أقبل ممثل السلطة الألمانية ومعه إحدى الأميرات الألمانيات من أسرة الإمبراطور، يريد أن ينزلها ضيفا على هذه الأرملة، وكانت هذه الأميرة «فكتوريا» زوج أحد القواد المرابطين في «اللورين»، فأقبلت تزور زوجها على غير إذن منه، وضربت له موعدا في هذا البيت.
تلقت الأرملة ضيفتها كارهة، وبينما كانت هذه الضيفة تنظر في صور فوتوغرافية على المائدة في غرفة الاستقبال رأت صورة أعجبتها، فأخذت تمعن فيها النظر، وحدثتها «بولين» بأن هذه الصورة هي صورة ابنها الفرنسي، وقصت عليها أمره مفصلا، ثم تنصرف الأميرة إلى غرفتها وتتبعها «بولين»، ويأتي ابنها «بول»، وكان قد وصل إلى «اللورين» في صباح ذلك اليوم على سيارة فرنسية أنزلته، وانصرفت تنتظره في مكان غير الذي أنزلته فيه، وكان قد جاء للتجسس ليشتري من أحد الجنود الألمان أوراقا تهم قيادة الجيش الفرنسي، فلما أنزلته الطيارة رأى أن أحد الفلاحين قد رآه أو قد رأى الطيارة فقتله، واتخذ ثيابه، وظل يحرث مكانه بقية النهار، ثم أطلق خيل المحراث، وأقبل يقضي الليل عند أمه، حتى إذا كان الصباح لقي صاحبه الألماني، فأخذ الأوراق وذهب إلى حيث تنتظره الطيارة، فعاد إلى فرنسا.
قص هذا كله على أمه، وأنبأته أمه بمكان الأميرة الألمانية، فذعر وأشفق أن تدل عليه هذه الأميرة، وحاول أن يخلص فلم يوفق، ففكر في أن يمضي الليل عند أمه، وأن يخدع الأميرة حتى ينجو منها أو يقتلها، وهنا تبدأ قيمة القصة، فإن هذه الأميرة إن رأته ودلت عليه قتل وقتلت أمه، فإن لم تستطع أن تدل عليه، ولن يكون ذلك إلا إذا قتلها، ونجا بنفسه فأمه مقتولة من غير شك، وإنهما ليتحدثان في ذلك إذ أقبلت الأميرة فدخلت، وأصبح القضاء محتوما، فإما أن يقتل هو وتضيع مهمته العسكرية، وإما أن يقتل الأميرة فينجو وينفذ ما جاء له، ويقدم أمه ضحية للوطن، وكان قد انتزع الصورة الفوتوغرافية التي رأتها الأميرة وأخفاها، فلما جاءت الأميرة تقدم إليها كأنه أحد أقارب هذه الأرملة، ثم تسمى لها باسم ألماني منتحل، وأنبأها بأنه قد جرح في الحرب مرتين فأعفي من الخدمة، لم تصدق الأميرة شيئا من هذا، وأخذت تنظر في الصور تلتمس الصورة التي رأتها أولا فلم تجدها، فلم تشك في أنها أمام «بول» الفرنسي ابن الأرملة، وفي أن واجبها الوطني يلزمها أن تدل عليه، فذهبت إلى غرفتها تفكر في ذلك ، ولقيت في طريقها خالة «بول» فسألتها: أمسرورة هي بمقدم هذا الشاب، وذكرت الاسم المنتحل؟ فلم تحر المرأة جوابا؛ لأنها لم تكن تعرف هذا الاسم، ولم تشك الأميرة منذ ذلك الوقت فيما يجب عليها أن تعمل، فأخذت تسأل متى يمر ساعي البريد؟ فأنبئت بأن ساعي البريد لا يمر منذ ابتدأت الحرب، فسألت: أليس يمكن أن تستأجر من يحمل رسالة إلى القرية، فأنبئت بأن هذا عسير في الليل، ولم يشك «بول» في أن الأميرة تريد أن تدل عليه، فأمسى لا يتردد في قتلها، واعتزم أن يذهب إليها بعد العشاء، فيعرض عليها الخروج معه إلى الغابة للنزهة، فإذا خرجا قتلها هناك حتى لا يقع دمها على أمه. •••
يذهب «بول» في الفصل الثاني إلى الأميرة في غرفتها فيتحدثان حديثا لذيذا مخيفا؛ لأن كلا منهما يخاف صاحبه، ويحاول أن يكتم هذا الخوف، ولأن كلا منهما يضمر الغدر بصاحبه، ولكنه يحاول ألا يظهر من نيته شيئا، فيدور الحديث في هذه الصورة الغريبة التي ظاهرها الأمن، وباطنها الخوف والغدر، ويدعو «بول» صاحبته إلى أن تخرج معه إلى الغابة فتأبى، ثم تطلب هي أن تخرج وحدها فيأبى عليها صاحبها، يريد أن يقودها إلى حيث يقتلها فتأبى عليه، وتريد أن تخرج لتدل عليه، فيمنعها من الخروج، وإنهما لفي ذلك إذ يسمعان أصواتا تقبل إلى البيت، فتسأل «بولين» عن خبل الفلاح الذي قتل وتنبئها بمقتله، وتسمع الأميرة هذا فتستقين أن «بول» هو قاتل الفلاح، ومرتدي ثيابه، وكانت قد رأت الثياب في غرفة الاستقبال، فيبلغ الخوف منها أقصاه، وتأبى أن تخرج، ثم تشم رائحة ثياب تحترق، فتسأل فينبئها «بول» بأن أمه تحرق ثياب الفلاح الذي قتله صباح اليوم، وإذن فقد صرح الشر بينهما، وعرف كل منهما دخيلة صاحبه، ولم يبق إلا أن يعمل كل منهما ما يستطيع لينقذ حياته ووطنه معا.
ولكن الحب قد تدخل في الأمر فعقده، وجعل له خطرا فوق كل خطر، وجعل هذا الموقف فوق ما ألف الناس، ذلك أن الأميرة بينما كانت في هذا الحوار مع «بول » دخلت عليها الأرملة تحمل إليها كتابا، فلما قرأت الكتاب ملأها السخط والغيظ وخيبة الأمل؛ لأن زوجها قد كتب إليها يأمرها أن تعود أدراجها، وينبئها بأنها لن تراه، وبأن سيارة ستأتي صباح الغد فتنقلها إلى حيث تأخذ القطار، فتعود إلى قصر آبائها.
كانت هذه الأميرة جميلة رشيقة، قوية المزاج، حادة الحس، متأثرة في حياتها بالعواطف، وسلطان الخيال كغيرها من نساء ألمانيا، وكانت تعلل نفسها حين أقبلت إلى «اللورين» بليلة لذيذة حلوة مع زوجها القائد، فلما حيل بينها وبين ذلك كان وقع هذا اليأس في نفسها عظيما سيئا، وكان أمامها هذا الجندي الفرنسي، وكان جميلا قويا يحيي الرغبة في نفوس النساء، وكانت تخافه وتشتهيه، وكان يخافها ويشتهيها، وكان الحديث بينهما منذ التقيا حديث خوف وغدر، وحب واستدراج، فلما صرح الشر بينهما، وظهر كل منهما لصاحبه مظهره الحقيقي ظهر سلطان الغريزة، فأجلت وقوع الخطب، وكانت هذه الغريزة معقدة، ولكنها قوية مسيطرة، كانت غريزة الشهوة، وغريزة الاحتفاظ بالنفس، فانظر إلى هذا الحوار الذي ينتهي به الفصل الثاني:
نامعلوم صفحہ