من العقيدة إلى الثورة
من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة
اصناف
فالدين هو الامتثال، والامتثال هو التعبير عن الطبيعة بالفكر. ولا يعني ذلك الطاعة والانقياد، فذلك ما تعاني منه الأمة حاليا في علاقتها بالسلطان، بل هو رفض كل ما يعارض الطبيعة والحرية والعقل، هذا الرفض الناشئ من الامتثال للفكر وإدراك الهوة بين الطبيعة والمثال. ليس الدين هو الجزاء؛ لأن فعل الخير، العمل الصالح، مستقل عن الجزاء والعقاب، ولكن في طبيعة الفعل جزاؤه، وجزاؤه أثره وفاعليته؛ فعلى الخير يعطي خيرا، ويحدث في هذا العالم من حياة الفاعل، أو يكون كامنا فيظهر في الأجيال التالية ويظل موجها للحضارة. وإذا كان الدين يعني الحساب، فإن الحساب على الفعل يكون ذاتيا، بمراجعة داخلية. أما الحساب الخارجي فعادة ما يكون مصدرا للخوف والتخفي؛ وبالتالي مصدرا للإرهاب والنفاق، لا فرق في ذلك بين حساب الله وحساب السلطان. والحساب ليس بالضرورة حساب الآخر للذات، أي حساب الدولة للمواطنين، بل حساب الذات للآخر، حساب المواطنين للدولة من خلال الرقابة الشعبية على أجهزة الدولة. وإذا كان الدين يعني التعبد، فإن التعبد ليس الإتيان بحركات رمزية تكشف عن الصلة بين الإنسان والله، بل القيام بأفعال مباشرة في العالم تؤثر في الناس وتحدد مسار العلاقات الاجتماعية. وإذا كان الدين في النهاية وضعا يسبق العقول باختيارها إلى ما هو خير لهم بالذات، فإن هذا الوضع يتفق مع الطبيعة البشرية الحرة العاقلة، ويؤكدها، ويساعدها على الازدهار والكمال.
24
ويتحول الدين إلى ملة لأن الامتثال جماعي. الدين هو الذي يعطي الهوية للجماعة، ويحولها إلى جماعة فكرية. لا يوجد فكر دون جماعة، ولا يوجد دين بلا أمة، ولا يوجد مذهب فكري دون شعب؛ لأنه لا يوجد وحي بلا تاريخ. وصف الدين هو وصف للأمة، وتحليل الدين هو تحليل لحال الأمة.
25
والملة هي ملة إبراهيم، وهي الحنيفية السمحة، ويضادها الخروج على طريق العقل والطبيعة. والأمة جماعة مثالية، حققت وحدة الفكر واستقلال الشعور وتدرك نظام الطبيعة، الأمة فكر نمطي، والفكر جماعة مثالية تمنع من التشتت الفكري والحضاري، وتحرص على الوحدة المثالية بين الفكر والجماعة، بين الوحي والتاريخ. وتتوالى الملل حسب قانون الجمع بين الأضداد وجدل التاريخ، والانتقال من الموضوع إلى نقيض الموضوع إلى مركب الموضوع. عرف آدم الأسماء كلها، وعلم نوح معانيها، ثم تحقق إبراهيم من كليهما. الأمة المثالية إذن هي التي تجمع بين الأسماء المعاني والواقع، بين الألفاظ والدلالات والأشياء دون تبعثر للأسماء، وتحولها إلى شقشقات لفظية وضمور للمعاني، وتحولها إلى ثوابت، وغياب للوقائع والأشياء.
26
وإذا تحول الدين إلى ملة، فإن الملة تتحول إلى منهج للجماعة. وباتحاد الفكر بالجماعة يظهر التشريع، وهو تنظيم الفكر للجماعة، وتوجيهه لسلوكها، وتخطيطه لحياتها. وقد تطورت الشرائع كما تطور الفكر وتطورت الجماعة، واكتملت بظهور الجماعة المثالية. فالتشريعات تنبع من الفكر وتقوم عليه، وتعبر عن واقع دفاعا عن مصالح الجماعة.
27
فإذا تم الاتفاق على المنهاج نشأت الجماعة الفكرية المذهبية. الجماعة هي ممثلة الفكر في التاريخ، وتحوله إلى شريعة ونظم. ولما كانت الشرعة منزلة ففي تطور الوحي في التاريخ جاء التنزيل أولا، ثم التأويل ثانيا، ثم الجمع بين التنزيل والتأويل ثالثا. وهو منهج الأمة المثالية التي جمعت بين الفكر والجماعة . التنزيل بلا تأويل صورية وفراغ، والتأويل بلا تنزيل مضمون عاطفي بلا صورة وروح طاهرة بلا بدن، والجمع بين التنزيل والتأويل هو إيجاد الوحدة بين الصورة والمضمون، بين الروح والبدن، بين المثال والواقع. ويكون ذلك في التاريخ جمعا بين القديم والجديد، بين الماضي والحاضر. التنزيل بلا تأويل جمود، والتأويل بلا تنزيل هوى.
28
نامعلوم صفحہ