461

قال: واعلم أن المتكلمين لا يطلقون على الباري سبحانه أنه معبود في الأزل ومستحق للعبادة في الأزل إلا بالقوة لا بالفعل؛ لأنه ليس في الأزل مكلف يعبده تعالى، ولا أنعم على أحد في الأزل بنعمة يستحق بها العبادة حتى أنهم قالوا في الأثر الوارد: يا قديم الإحسان أن معناه أن إحسانه متقادم العهد لا أنه قديم حقيقة كما جاء في الكتاب العزيز: {حتى عاد كالعرجون القديم }[يس:39 ] أي الذي قد توالت عليه الأزمنة المتطاولة.

قلت: وعلى هذا فلا وجه لاعتراضه على الراوندي؛ لأنه يمكن حمل كلامه على ما قاله المتكلمون، فيقال: أراد بقوله الذي حقت العبادة له في الأزل أي بالقوة وبقوله واستحقها حين خلق الخلق أي بالفعل، إلا أنه يعترض عليه في إطلاقه للاستحقاق في الأزل لإيهامه كما مر، ويمكن أن يجاب بأن قوله: واستحقها حين خلق الخلق قرينة تدفع الوهم؛ إذ جعله للاستحقاق الثاني مغايرا للأول قرينة دالة على أن الاستحقاق الأول بالقوة لا غير، مع ما يعضدها من القرينة العقلية.

نعم أما المجبرة فيأتي على مذهبهم في قدم كلامه تعالى، وأنه صفة ذاتية له أنه يستحق الحمد في الأزل بالفعل، وقد صرح بذلك بعضهم.

فقال الرازي: هو تعالى محمود في الأزل إلى الأبد بحمده القديم، وكلامه القديم، وقال القرطبي في معنى {الحمد لله رب العالمين }[الصافات:182]: أي سبق الحمد مني لنفسي قبل أن يحمدني أحد من العالمين، وحمدي نفسي لنفسي في الأزل لم يكن بعلة، وحمدي الخلق مشوب بالعلل.

قلت: وبطلان قدم كلامه تعالى معلوم، وببطلانه يبطل ما فرعوا عليه، ويكفي في بطلانه أنه يلزم أن يكون مع الله تعالى قديم غيره تعالى عن ذلك علوا كبيرا، وظاهر كلام القرطبي أن الله يستحق الحمد لذاته، وقد عرفت ما فيه.

صفحہ 464