387

قلت: ولعل ما ذكره هو السبب في الاختلاف في الجهر بها فإن من لم يسمعها لبعد أو ضعف صوت، أو رجة أصوات الناس بالتكبير ظن عدم ثبوت الجهر بها، أو عدم قراءتها، لا سيما من لم يكن له رتبة تقتضي تقديمه ولو في بعض الأحوال، فإنه استمر على ذلك، ولذا لا تجد أكثر رواة النفي والإسرار إلا من أصاغر الصحابة الذين لا مقام لهم إلا في مواضع البعد التي ينتفي فيها السماع لأحد تلك الأسباب، ولعل ظهور هذا المذهب من الأصاغر هو الحامل لأمير المؤمنين على المبالغة في الجهر بها حتى اشتهر عنه، وما رواه هؤلاء النافون جعله بنو أمية ذريعة إلى محو ما اشتهر عن علي عليه السلام من الجهر بها؛ لأنه لما جعل المبالغة لأجل الرد على النافين، فكأنها منقبة له خاصة، وهم قد صرفوا هممهم إلى إخفاء مناقبه وإطفاء أنواره، لا جرم بالغوا في تشييد أقوال أولئك الأصاغر وتقويتها {ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون}[التوبة:32].

وقد ذكر الأمير الحسين في الشفاء، وأبو الحسين في (المعتمد) أن السبب في عدم نقل الجهر بالبسملة على حد نقل الفاتحة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرؤها في حال رجة الناس بتكبيرة الإحرام، وهذا أمر مشاهد.

حكى الحازمي عن نفسه أنه حضر جامعا وحضره جماعة من أهل التمييز المواظبين في ذلك الجامع، فسألهم عن حال إمامهم في الجهر والإخفات قال: وكان صيتا يملأ صوته الجامع، فاختلفوا في ذلك فقال بعضهم: يجهر، وقال بعضهم: يخفت، هذا وقد تأول الرزاي نفي الجهر في حديث أنس وابن مغفل على نفي المبالغة في رفع الصوت كما قال تعالى: {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ...} [الإسراء:110]الآية.

صفحہ 388