36
أما «الوصف الشامل لحالة العالم»، فقد يكون وصفا للحالة الواقعة فعلا في لحظة زمنية معينة، وقد يكون وصفا لحالة ممكنة الوقوع في أية لحظة زمنية، وسواء كان هذا أو ذلك، فلا بد أن يكون الوصف قوامه جملة مركبة من قضايا بسيطة كثيرة، كل واحدة منها تصف فردا من أفراد الكائنات بما له من صفات أو علاقات، فافرض مثلا
37
أن اللغة التي نستخدمها ليس فيها إلا ثلاثة أسماء لثلاثة أفراد، هي: أ، ب، ج، وأن هنالك في العالم صفتين اثنتين هما صفتا «أزرق» و«بارد»، إذن فمن الممكن أن تكون صورة العالم متمثلة في «الوصف الشامل» الآتي: أ أزرق ولكنه ليس باردا، ب أزرق وبارد معا، ج لا هو أزرق ولا هو بارد.
وبديهي أنه إذا كان هذا هو «الوصف الشامل لحالة العالم »، فهنالك جمل تصدق فيه وجمل أخرى تكذب فيه، فمثلا الجملة القائلة بأنه «إما أ بارد أو ج بارد» صادقة، بينما تكذب جملة كهذه «أ وج كلاهما بارد».
وهنا تأتي فكرة «المدى»، فلكل جملة مدى من الصدق، يتسع لبعض الجمل ويضيق لبعضها، «ومدى صدق الجملة» يقرره عدد «الأوصاف الشاملة لحالة العالم» - الفعلي منها والممكن على السواء - التي تكون الجملة صادقة فيها، فمثلا مدى صدق الجملة «أ إما أزرق أو بارد» أوسع من مدى صدق الجملة «أ أزرق وبارد معا»؛ لأن عدد «الأوصاف الشاملة لحالة العالم» التي يمكن أن تتصورها، والتي تصدق فيها الجملة الأولى أكثر من تلك التي تصدق فيها الجملة الثانية، ويمكن القول، على وجه العموم، إن مدى صدق الجملة يتناسب تناسبا عكسيا مع إمكان تنفيذها، أي كلما اتسع إمكان خطئها ضاق مدى صدقها.
وبهذا الذي قلناه نستطيع أن نفرق بين الصدق التجريبي والصدق المنطقي، فقولها: إن «سكان مصر عشرون مليونا.» صادق صدقا تجريبيا، ومعنى ذلك أنه قول يطابق الحالة الواقعة، لكن يمكن تصور حالات لا حصر لعددها ممكنة الوقوع، ويكون فيها هذا القول خاطئا، فقد كان يمكن أن يكون سكان مصر فعلا ثلاثين أو أربعين أو خمسين مليونا أو أي عدد شئت، وفي كل حالة من هذه الحالات الممكنة يكون قولنا: إن «سكان مصر عشرون مليونا.» قولا باطلا، فالجملة التجريبية تصدق في حالة واحدة فقط، هي حالة مطابقتها للحالة الواقعة فعلا.
وأما الصدق المنطقي فيكون حين لا يمكن تصور حالة من الحالات الممكنة تنقضه وتفنده، فالجملة الصادقة صدقا منطقيا، تصدق في أي وصف يمكن تصوره للعالم،
38
أي إن «مدى صدقها» يبلغ أوسع نطاق ممكن، فقولنا مثلا: «إذا كانت أ أكبر من ب، وب أكبر من ج، كانت أ أكبر من ج» قول صادق صدقا منطقيا؛ لأنه يصدق في كل حالة ممكنة من حالات العالم، فليس هناك «وصف شامل لحالة العالم»، بحيث تكذب فيه هذه العبارة.
نامعلوم صفحہ