وصل الملك الجديد إلى أثينا ومعه العدد العديد من أبناء جلدته الألمانيين، قلدهم أهم الوظائف في المملكة فأسخط عليه الأروام حتى إنهم قاموا وطلبوا منه أن يعزل جميع النظار والحكام ويعين خلافهم من الوطنيين، وأن يشكل مجلس نواب، فعمل الملك برأي الشعب وشكل مجلس نواب في سنة 1843، ولكن هذا الملك ظل مترفعا على الأروام غير ميال إلى مخالطتهم أو عامل على تعمير بلادهم، فكثر نفورهم منه، ودامت هذه الحالة إلى سنة 1862 حين قام القوم وطلبوا من أوتو أن يترك بلادهم ويعود إلى وطنه، وقد زاد في نفورهم من الملك أوتو أنه لم يرزق أولادا، وهم كانوا يريدون أن يقوم له وارث يعيد مجد بلادهم فاضطر أوتو أن يترك ملك اليونان، وعاد بأهله وصحبه على وطنه الألماني. وعلى ذلك انتخب القوم في سنة 1863 البرنس وليم الدنماركي، وهو الملك جورج الحالي، وقد تنازلت له إنكلترا في أول حكمه عن جزر الأرخبيل الرومي، وضمت إلى بلاده أيضا أجزاء من بلاد تساليا، ونظمت قوات اليونان الحربية وماليتها وتحسنت مدائنها ونمت متاجرها وكثر المتعلمون فيها على أيام هذا الملك، ولم تحدث لبلاد اليونان حروب كبيرة كل هذه المدة ما خلا حربها الأخيرة مع الدولة العلية، وأمرها معروف.
والملك جورج ولد في عاصمة الدنمارك سنة 1845، واقترن بالأميرة أولغا الروسية ورزق منها خمسة أولاد، منهم قسطنطين، وهو ولي العهد، وجورج ونقولا وأندراوس وخريستو فوروس. والملك جورج مرتبط بصلات القرابة مع إمبراطور ألمانيا؛ لأن ولده ولي العهد متزوج بشقيقته، وصهره ملك الإنكليز وزوجته أقرب أقارب إمبراطور روسيا، فهو مسموع الكلمة في أوروبا يسعى في تقدم مملكته ونجاح بلاده.
أثينا
سبق لي أن أتيت بيرية، وهي ثغر أثينا، قادما من الآستانة حتى أكتب عن هذه البلاد بعض الشيء ، ولكن حكومتها منعت الركاب من النزول إلى البر بالنظر إلى وجود بعض إصابات بالكوليرا في الآستانة، وعليه أتيت الإسكندرية وفي عزمي أن أعود إلى أثينا يوما، وقد سهل المولى ذلك، فذهبت إليها في صيف سنة 1906 حتى أضمن هذا الكتاب وصف عاصمة اليونان أسوة لها بعواصم أوروبا وأميركا، فأقول:
قمنا من إسكندرية بالوابور الخديوي، وأول ما رأينا من الأرض جزيرة كريت إلى شمال الباخرة، وقد سارت تجاهها ثلاث ساعات تقريبا، واقتربت منها حتى إن القرى كانت تظهر للمسافرين. وقبل أن تصل الباخرة ثغر بيرية بخمس ساعات تقريبا مررنا بكثير من الجزر ذات اليمين وذات اليسار، بعضها عامر والبعض صخري لا ينبت فيه شيء، وقد أخبرنا ربان السفينة أن هذه الجزيرة تدعى سنبوس، وتلك سرموس وقس على ذلك. وقال أيضا إن البحر محصور ما بين هذه الجزر، ففي أيام العواصف يهيج هنا هياجا شديدا، مثل هياجه في بوغاز مسينا عند نابولي. ولما بلغنا بيرية ظهرت المدرسة البحرية، وهي جميلة مبنية على تل قائم بنفسه ، ثم البواخر الراسية في الثغر المذكور أكثرها عدا السفن الصغيرة التي تسافر إلى الجزائر اليونانية وهي كثيرة، فنزلنا للكمرك، ومنه ذهبنا إلى مصيف فاليرا أو فاليرون الواقع على البحر، وموقعه يظهر من ظهر الباخرة، وهو يبعد عشر دقائق عن بيرية وخمس عشرة دقيقة عن أثينا. وهذه المدن الثلاث مرتبطة بخط سكة حديد كهربائية يقوم منها وإليها القطار كل ربع ساعة.
بعد استقلال بلاد اليونان - كما هو معلوم ومشهور - حصلت مداولات دامت السنين الطوال لانتقاء مركز يكون هو العاصمة، فقر الرأي في سنة 1834 أن تكون أثينا العاصمة، وما هي يومئذ إلا قرية تعد بثلاثمائة بيت، ذات شوارع قذرة وضيقة، وهم يدلونك لحد الآن إلى المنزل الذي أقام فيه الملك أوتو لما نصب ملكا وهو منزل صغير حقير، ومع أنه كان في البلاد مدن أعظم من أثينا فقد أقروا انتقاءها لما فيها من الآثار القديمة تذكر الأروام بمجد أجددهم، وهم قوم اشتهروا بحب وطنهم.
على أن هذه القرية أصبحت بعد زمن مدينة جميلة، فيها البنايات العمومية وجميعها من الرخام الأبيض الناصع، وهو كثير في ضواحي البلد حتى إن ثمنه لا يزيد كثيرا عن ثمن الحجر، فالمرء يرى واجهات بعض المنازل والفنادق من الرخام، حتى إن مماشي شارع المدارس رص بالرخام الأبيض الناصع مثل قاعات المنازل، ولا مثيل لذلك في أوروبا. وسكان أثينا الآن مائة وأربعون ألفا وثغرها - أي بيرية - يعد بخمسين ألفا، وقد اشتريت كتاب دليل أثينا وأخذت معي ترجمانا من الفندق، وهاك وصف أثينا، وهو معروف لكثيرين من المصريين الذين يذهبون إلى الآستانة فيكون عندهم وقت أن يذهبوا من الثغر في سكة الحديد الكهربائية مسافة ربع ساعة يتفرجون على أثينا، وهم يرون عند المحطة ميدان أمونيا - أي الاتحاد - يتفرع منه عدة شوارع، أهمها شارع ستاديون، وهو في قلب العاصمة، يسير المرء فيه كما سرنا، فيرى الحوانيت والقهاوي ومجلس النواب ونظارات المالية والداخلية، وحركة ذهاب وإياب، وفيه خط للترامواي، وفي آخره قهوة زخرانوس، يرى فيها ما بين القوم ضباط الجيش والبحرية بملابسهم الرسمية. وقد جرت العادة أن يختلف الغرباء إلى هذه القهوة، وأمامها ميدان فسيح يدعى ميدان الكونستيتوسيون أو ميدان الدستور، وهو مثابة الناس عند زوال الشمس يخطرون به أو يجلسون في القهاوي.
ومن حول الميدان أحسن الفنادق، وهي كثيرة العدد، منها فندق بريطانيا العظمى، واجهته من الرخام الأبيض، ويلي من هذا الميدان لجهة الشمال حديقة فيها أشجار البردقان أو الفلفل البري، وهو كثير في الشوارع الأخرى؛ لأنه يفيد في تحسين الهواء. ومن هذه الحديقة يمكن الوصول إلى قصر الملك، بني سنة 1834 على تل منفرد، والبناء بسيط داخلا وخارجا، يجوز الدخول إليه كما دخلنا. وكان دخولنا من سلم رخام درجاته عشر، إلى رواق قائم أمام القصر على عشرة أعمدة ضخمة من الرخام. وكان دليل القصر واقفا هناك رافقنا إلى الدور الأعلى من سلم رخام، درجاته أربعون، فرأينا عند باب الدخول صورة الملكة بنيلوب والدة تيلماك، ثم دخلنا الردهة الخارجية، فيها أعلام رومية وتركية باقية إلى الآن من أيام حرب الاستقلال في سنة 1821. وفي دائرة الردهة من الجهات الأربع صور بالزيت تمثل الوقائع الحربية فيها الأتراك بالعمائم يطلقون البنادق والأروام بلباسهم الأرناءودي وغيرهم بالسراويل الطويلة. وفي بعض المواقع كان القتال بالسيف الأبيض، وهناك صورة الموقعة البحرية المعروفة بموقعة نافارين السابق ذكرها في المقدمة.
ثم دخلنا قاعة العرش، وفيها عرش من قطيفة حمراء وكرسي آخر يجلس إليه الملك عند مقابلته الزائرين، ثم قاعدة الاستقبال وهي رحبة يقام فيها حفلة رقص في رأس كل سنة، يؤمها ألف مدعو تقريبا من أعيان البلد، وليس فيها مفروشات فاخرة عدا عدة ثريات من النحاس الأصفر المذهب تنار بالكهرباء. وبعد ذلك وقفنا في شرفة القصر، وهي تطل على الميدان السالف الذكر وقسم كبير من البلد. ولهذا القصر حديقة كبرى يمكن الدخول إليها، ولكن لا يجوز شرب الدخان فيها بأمر الملكة. خرجنا من القصر إلى الميدان السالف الذكر، ومنه سرنا في شارع هرمس لجهة الغرب، في أوله قهوة تباع فيها حلويات شرقية، كالبقلاوة والكنافة، وهي مثابة العائلات. والشارع المذكور طويل وعريض جميل المنظر، فيه منازل جميلة وحوانيت كبيرة تباع فيها البضائع الأوروبية النفيسة.
وفي الغد ذهبنا إلى شارع المدرسة، وهو أجمل الشوارع وأعرضها، مماشيه مبلطة بالرخام الأبيض الناصع، وفيه ثلاثة مبان فخيمة، واجهاتها وعمدها وأروقتها الضخمة خارجا وداخلا من الرخام، أولها دار الأكادمي أو مجمع العلماء، بنيت كلها من الرخام، وقد بناها البارون سينا على طرز دور العلوم في باريس وبرلين، وهو يوناني الأصل، اكتسب ثروة من إقامته في عاصمة النمسا، وتجنس بالجنسية النمساوية، ولكنه لم ينس وطنه. وداخل هذا البناء قاعدة فيها المقاعد للمباحث العلمية، وصور بعض العلماء، وصور بالزيت ذات قيمة عظيمة، ويمكن الوصول من هذه الدار إلى متحف النقود، فيه شيء كثير من النقود الذهبية القديمة مرتبة حسب تاريخ ضربها، من ذلك نقود من أيام إسكندر المكدوني لا نظير لها في متاحف أوروبا، وقد أقيم خارجا تمثال البارون سينا؛ ليخلد ذكر اسمه.
نامعلوم صفحہ