فمن أين صدرت تلك الوصايا التي كان للشرع منصرف عنها، وأي منصرف؟ وكان الاختيار فيها أن تترك وتنسى ولو آل بها الأمر إلى آراء الولاة في الأسرة وفي الحكومة؟
مصدرها الهداية الإلهية قبل أن يهتدي إليها الذين فرضت عليهم، فتقبلوها وهم يعلمون أو لا يعلمون.
الفصل السادس
الحجاب
من الأوهام الشائعة بين الغربيين أن حجاب النساء نظام وضعه الإسلام، فلم يكن له وجود في الجزيرة العربية ولا في غيرها قبل الدعوة المحمدية، وكادت كلمة المرأة المحجبة عندهم أن تكون مرادفة للمرأة المسلمة، أو المرأة التركية التي حسبوها زمنا مثالا لنساء الإسلام؛ لأنهم رأوها في دار الخلافة.
وهذا وهم من الأوهام الكثيرة التي تشاع عن الإسلام خاصة بين الأجانب عنه، وتدل على السهولة التي يتقبلون بها الإشاعات عنه، مع أن العلم ببطلانها لا يكلفهم طول البحث والمراجعة، ولا يتطلب منهم شيئا أكثر من قراءة الكتب الدينية التي يتداولونها وأولها كتب العهد القديم وكتب الأناجيل.
فمن يقرأ هذه الكتب يعلم - بغير عناء كبير في البحث - أن حجاب المرأة كان معروفا بين العبرانيين من عهد إبراهيم عليه السلام، وظل معروفا بينهم في أيام أنبيائهم جميعا إلى ما بعد ظهور المسيحية، وتكررت الإشارة إلى البرقع في غير كتاب من كتب العهد القديم وكتب العهد الجديد.
ففي الإصحاح الرابع والعشرين من سفر التكوين عن «رفقة» أنها رفعت عينيها فرأت إسحاق «فنزلت عن الجمل وقالت للعبد: من هذا الرجل الماشي في الحقل للقائي؟ فقال العبد: هو سيدي! فأخذت البرقع وتغطت».
وفي الإصحاح الثامن والثلاثين من سفر التكوين أيضا أن تامار: «مضت وقعدت في بيت أبيها. ولما طال الزمان خلعت عنها ثياب ترملها وتغطت ببرقع وتلففت ...».
وفي النشيد الخامس من أناشيد سليمان تقول المرأة: «أخبرني يا من تحبه نفسي أين ترعى عند الظهيرة؟ ولماذا أكون كمقنعة عند قطعان أصحابك؟»
نامعلوم صفحہ