كنت قد ورثت دراجة، أو على الأقل كان لدي حق الانتفاع بواحدة، تركها عاملنا الذي كان يعمل لدينا بدوام جزئي حين رحل من أجل العمل في أحد مصانع الطائرات. كانت دراجة رجالية، بالطبع؛ إذ كان مقعدها مرتفع، وكانت خفيفة الوزن، وكان تصميمها ذا شكل غريب توقف إنتاجه منذ فترة طويلة.
قالت لي شقيقتي حين بدأت في التدرب على قيادة الدراجة عبر ممرنا: «إنك لن تذهبي بها إلى المدرسة، أليس كذلك؟» كانت شقيقتي تصغرني سنا، ولكن أحيانا ما كانت تعاني القلق نيابة عني، لإدراكها - ربما قبلي - للطرق المتعددة التي يمكن أن أجازف بها بجعل نفسي أضحوكة للآخرين. لم تكن تفكر في شكل الدراجة فحسب، ولكن أيضا في حقيقة أنني في الثالثة عشرة وفي عامي الأول في المدرسة الثانوية، وأن هذا العام يعد عاما حاسما فيما يتعلق بقيادة الفتيات للدراجات إلى المدرسة؛ فقد كان لزاما على جميع الفتيات اللاتي يردن إثبات أنوثتهن التخلي عن ركوبها. وكانت الفتيات اللاتي يستمررن في ركوبها إما يسكن في مكان ناء للغاية في الريف بما يتعذر معه السير - ولهن آباء لا يستطيعون تحمل تكاليف إقامتهن في البلدة - وإما كن ببساطة غريبات الأطوار ولا يستطعن أن يأخذن في اعتبارهن قواعد معينة غير معلنة ولكنها أساسية. وقد كنا نعيش فيما وراء حدود البلدة تماما، ولو ظهرت وأنا أركب دراجة - وخاصة تلك الدراجة - لكنت سأضع نفسي في فئة أولئك الفتيات اللاتي كن يرتدين أحذية أكسفورد النسائية والجوارب القطنية المغزولة ويموجن شعورهن.
فقلت: «لن أذهب بها إلى المدرسة.» ولكنني بدأت بالفعل في الانتفاع بالدراجة بركوبها إلى الريف عبر الطرق الخلفية فيما بعد ظهيرة أيام الأحد. كانت الفرصة آنذاك لمقابلة أي شخص أعرفه تكاد تكون معدومة، وأحيانا ما كنت لا ألتقي أي أحد.
كنت أهوى القيام بذلك؛ إذ كان لدي شغف داخلي بالطبيعة، وقد أتى لي هذا الشعور من الكتب في البداية؛ جاء من قصص الفتيات التي كتبها الكاتب إل إم مونتجمري، الذي كان غالبا ما يقحم بعض العبارات التي تصف حقلا مغطى بالثلوج تحت سنا القمر أو غابة صنوبرية أو بركة ساكنة تعكس سماء المساء. وبعد ذلك، اندمج مع شغف آخر خاص لدي بأبيات الشعر؛ فقد كنت أغوص وسط كتبي المدرسية بنهم وحماس من أجل استكشاف معانيها قبل أن تقرأ في الفصل وتصب عليها اللعنات.
وكان إفشاء أي من هذين الشغفين، سواء في المنزل أو في المدرسة، يضعني في حالة دائمة من الضعف ويجعلني عرضة للهجوم، وهي الحالة التي كنت أشعر بأنني أعيشها بالفعل بدرجة ما. كان كل ما على أحدهم أن يقوله، بصوت معين: «سوف تفعلين ...»، أو: «ما رأيك في ...»، فأشعر بالسخرية، الهواء الطاهر، الأبيات وقد رسمت أمامي. ولكن الآن صارت معي الدراجة، وبإمكاني قيادتها في عصر أيام الأحد داخل بقعة بدت في انتظار نوعية الولاء الذي أردت تقديمه. كانت توجد هنا صفحات الماء القادمة من الجداول المغمورة بالماء التي تتألق على الأرض، وأكداس نباتات التريليوم أسفل الأشجار ذات الأزهار الحمراء، كما كانت توجد أشجار كرز فيرجينيا، والكرز الأحمر، في الشريط المجدب على جانبي السور، وهي تنقسم إلى أجزاء صغيرة رقيقة من الزهرة قبل أن تنمو عليها أي ورقة.
دفعتني أزهار الكرز للتفكير في الأشجار بحقل ميريام ماكالبن، كانت لدي رغبة في النظر إليها وهي تزهر، وليس النظر إليها فحسب - مثلما يمكنك أن تفعل وأنت سائر في الشارع - بل والدخول أسفل تلك الأفرع والاستلقاء على ظهري مسندة رأسي إلى جذع الشجرة ومعرفة مدى ارتفاعه، وكأنه قد خرج من جمجمتي، سيرتفع إلى أعلى ويستغرق تماما داخل بحر مضطرب من الأزهار المتفتحة، ولمعرفة أيضا إن كانت ثمة أجزاء من السماء تظهر خلال ذلك، حتى أستطيع أن أغلق عيني بشدة لكي أجعل تلك الأجزاء مشهدا أماميا وليس خلفية، أجزاء ذات لون أزرق زاه على هذا البحر الأبيض العريض. كان في هذه الفكرة شيء أشبه بطقس طالما اشتقت إليه؛ فقد كان أشبه تقريبا بالركوع في الكنيسة، وهو الشيء الذي لم نكن نفعله في كنيستنا. كنت قد فعلته مرة واحدة، حين كنت صديقة لداليا كافانا واصطحبتنا والدتها إلى الكنيسة الكاثوليكية في أحد أيام السبت لإعداد الزهور. رسمت إشارة الصليب وجثوت على ركبتي في أحد المقاعد، وقالت داليا، من دون حتى أن تهمس: «لماذا تفعلين هذا؟ ليس من المفترض بك أن تفعلي هذا، إنه لنا نحن فقط.» •••
تركت الدراجة ممددة وسط الحشائش. كنا في المساء، وكنت قد اتخذت طريقي نحو البلدة بالدراجة عبر الشوارع الخلفية، ولم يكن هناك أي أحد في فناء الإسطبلات أو حول المنزل، فتسلقت السور، وحاولت بأقصى ما لدي من سرعة، من دون ركض، أن أجتاز الأرض حيث كانت الخيول تأكل الحشائش المبكرة. خفضت رأسي أسفل أفرع الشجرة الكبيرة وظللت أنحني وأتعثر، وأحيانا ما كانت الأزهار تصطدم بوجهي ، إلى أن وصلت عند جذع الشجرة واستطعت القيام بما جئت للقيام به.
استلقيت على ظهري في انبطاح، كان ثمة جذر من جذور الشجرة له نتوء صلب تحتي؛ ما اضطرني للاستلقاء في الوضع المعاكس. وكان ثمة بقايا من تفاح العام الماضي، داكنة كقطع اللحم المجفف، حتى إنني اضطررت لإزاحتها من طريقي قبل أن أتمكن من الاستلقاء. وحتى بعد ذلك، حين استجمعت هدوئي، كنت أشعر بجسدي في وضع غريب وغير طبيعي، وحين نظرت لأعلى إلى كل البتلات اللؤلئية المتدلية بلونها الوردي الباهت، كل طاقات الزهور الصغيرة المعدة مسبقا، لم أكن قد استغرقت تماما في تلك الحالة الذهنية من التعبد التي كنت أرجوها. وكانت السماء غائمة قليلا، وذكرني ما استطعت رؤيته منها بقطع الخزف الداكنة من اتساخها.
لم يكن ذلك بالأمر الذي لا يستحق الإقدام عليه، على الأقل - حين بدأت أدرك حين نهضت وخرجت من هناك في اندفاع وتعجل - كان أمرا يستحق القيام به. وقد كان ذلك أقرب لاعتراف، وليس تجربة. اجتزت الحقل في عجالة، ثم تسلقت السور، واستعدت دراجتي، بل كنت قد بدأت في التحرك بالدراجة حين سمعت صفيرا عاليا واسمي ينادى. «يا هذه، أنت؟ نعم، أنت!»
كانت هذه هي ميريام ماكالبن. «تعالي إلى هنا دقيقة واحدة.»
نامعلوم صفحہ