وقد قال «روبير»: في منتصف الليل تكون أبواب المدينة مفتحة، وهم في انتظاركم.
فأمر الملك أن يكونوا على أهبة الهجوم، قالوا: نحن في غاية الاستعداد أيها الملك. ثم انتظروا الساعة المعلومة، ولما أزفت قاموا ودخلوا المدينة بغاية الانتظام، فوجدوا أبوابها مفتحة، وفي أقل من القليل استلموا المعالم العسكرية والأسوار، واحتاطوا بقصر الملك، ولم يطلع الفجر إلا والمدينة أصبحت فارسية تخفق عليها الأعلام الإيرانية، وقبض على الملك «ملتياد»، وعلى الملك «أفراسياب».
وجلس «كورش» على سرير المملكة، واصطفت من حوله القواد الوزراء، وحضرت الملكة «مندان» إلى قصر الملك.
وأمر بهدم تلك القبة، وذبح ذلك الكبش أمام الملأ من الذين يعبدونه، ونادى مناد من المؤمنين بأمر الملك: إن من آمن بالله واليوم الآخر وكتبه ورسله، فقد سلم من سيف الملك «كورش»، وفي الآخرة من عذاب النار، ومن كفر فجزاؤه الذبح كما ذبح إلهه، وقد أحضر الملك «ملتياد» والملك «أفراسياب» أيضا، وقد عرض عليهما وهما تحت الأغلال الإيمان بالله وترك عبادة غيره من الحيوانات والأصنام، أما الملك «ملتياد» فقد آمن بالله، ولما رأت الأهالي ذلك وأن ملكهم الذي كان متمسكا في دينه تركه وآمن بالله؛ آمنوا جمعا كبيرا وصغيرا، رفيعا ووضيعا.
وقد أقره على ملكه بشرط أن يدفع له الخراج في كل عام، أما «أفراسياب» فلم يؤمن، فأمر الملك بقتله وصلبه على باب المدينة؛ ليعتبر به غيره ففعلوا، ودخل الملك على والدته «مندان» - وقد ألقت الحوادث أوزارها - فضمته إلى صدرها بعد أن سجدت لله شكرا على ما منحها من نعمة التلاقي بعد طول الفراق، وعلى تلك المنة العظيمة من نصر ولدها على الأعداء، وتأييد ملكه.
وقد أولمت الولائم، وأقيمت الأفراح، وبنيت المعابد الإلهية، ورتب الملك «كورش» كافة أحوال المملكة. وبعد مضي شهر من الزمن أمر الملك بالرحيل فحملت الحمول، ونصبت محفة ملوكية لأجل الملكة «مندان» تحفها الحراس والجنود من كل صوب، وساروا بكل أبهة وعظمة. أما «ألفونك» فإنه تقدم للملك، وقال له: إني على أهبة السفر معكم أيها الملك.
قال: على الرحب والسعة، ولكن هل برضا أبيك أم بغير إذن منه؟
قال: قد أذن لي بالسفر، وقد استحضرت كل ما يلزم، وها هي أحمالي أمام الركب. وهكذا ساروا قاصدين مدينة بابل، ولما قربوا منها سارت المبشرون إلى المدينة يبشرون بقدوم الملك مؤيدا منصورا وبصحبته أمه «مندان». فزينوا المدينة، وأقيمت الأفراح، وضربت آلات الطرب، وهرعت الجموع، وأكابر الدولة إلى ملاقاتهم على مسافة ثلاثة أيام، ودخل الملك على المدينة بتلك العظمة والجلال، وقد دخلت الملكة «مندان» إلى القصر، فقابلتها «شاهزنان»، وقبلت يديها وضمتها «مندان» إلى صدرها، وبكت من شدة فرحها ولسان حالها يقول:
هجم السرور علي حتى إنه
من عظم ما قد سرني أبكاني
نامعلوم صفحہ