مجلۃ البیان
مجلة البيان
نوابغ العصر
أحمد بك شوقي
٢
تكلمانا في العدد الماضي - وكنا بصدد من اعرية شاعرنا النابغة أحمد بك شوقي_عن الشاعر ومكانه من الجماعة، وجئنا بكلمة طيبة في ذلك لكاتب شاعر من خيرة كتاب المغرب الشعراء، ولما كنا قد اعتزمنا أن نكتب فصولًا عدة في شاعرية أمر الشعراء ونبوغه وآرائه وشعره وأدبه مما ليس في مكنتنا أن نلم به في فصل أو فصلين، رأينا من الفائدة أن نبدأ بفصل في الشعر وماهيته وتاريخ تطوره، وموازنة الشعر العربي بالشعر الغربي، وتقدير الأمم قدر شعرائها، حتى ينبسط لنا الكلام في موضوعنا الذي اجتمع رأينا على الاستفاضة فيه وتناوله من أجزائه وصميمه.
الشعر هو ذلك الفن الوجداني الذي يصور أدق شعور النفس، ويمثل كامن مشاعرها، وعظيم وجداناتها، ويبسط أحوال العالم بمظاهره الكامنة، ومعالمه الظاهرة، ويمرح بالفكر بين وادي الحس ووادي الخيالن ويظهر للعيان أرواح العصور والأجيال، بين أنة يصعدها موجع، ودمعة يذرفها محزون، ونغمة يصدح بها مبتهج، وشكاة يبديها مظلوم، وكلمة كبيرة يصدرها حكيم، وضحكة ظهرها طروب، ولوعة يجدها عاشق.
ولا تجد في تاريخ الإنسانية عصرًا خلا من شعر له، فإن المخيلة أبدًا تعملن ومشاعر النفس أبدًا تنفّس عنها بالظهور، مما يثبت أن الإنسان خلق بطبيعته شاعرًان وأن الشاعرية كامنة فيه كمون النار في الصفاة، لا يعوزها للظهور إلا ما يعوز صاحب الجرس الحلو من توازن النبراتن وانتظام النغم، وخفة التقطيع وطيب الأوزان. ومن المعاني المستنبطة من توليد القريحة وابتكار المخيلة، والإفتنان في التعبير بما يقع من المجاز والكناية، فإن في انتظام النبرات ما في أغاريد الهزار وخرير الأمواه وحمحمة الجياد من تأثير، كما أن في بواكر المعاني أثرًا غريبًا في النفس، شأن كل جديد غير مرتقبز وكذلك فإن في أساليب الإستعارة والمجاز والكناية أعمالًا للفكر ينطبع له المعنى في الذهن بأشد مما لو كان صريحًا لا يحتاج الفكر في فهمه إلى شيء.
وقد تبع الشعر سنة التطورن وكان تطوره من التماثل إلى التباين، فقد كان الشعر
14 / 12