مجلۃ البیان
مجلة البيان
نوابغ العالم
فردريك الأكبر
بقلم كبير كتاب الانجليز ومؤرخيهم اللورد ماكولي
تعريب عباس حافظ
وأكثر ما اقتني من خيرة الكتب وأعيان المؤلفات، هو ما صاغه الكرام الكاتبون من الفرنسيين، وما وضعه كتاب ذلك البلد الأمين، فلا عجب أن رأينا إعجابه بهم غير محدود، واستحسانه محاسن ما أنشأوا، وبدائع ما خطوا، متناهيًا متراميًا.
واستحثته شيمة الطمع والشوق التي فيه على أن يقلد ما أعجبه، ويحاول نسج ما قد حبكوا، وأحب الأماني إلى قلبه وأنداها على فؤاده أن يروح معدودًا بين سادة أهل الشعر في فرنسا، ورؤوس أهل البيان والفصاحة فيها.
وطفق ينثر وينظم بجد وصبر للنثر والنظم، كأنه أديب متضور، ولكن الطبيعة التي أتمت عليه مواهب القائد والمنظم أمسكت عنه تلك النعم الأكبر شرفًا، الأسمى مكانًا، الأندر وجودًا، التي تجدّ الصنعة الكتابية سدى لتخرج مثلها بيانًا يبقى على الدهر، وحلاوة يطيب بها فم لزمان، ولحنًا خالدًا في مسمع الأيام.
ولو كان منح خيالًا أرق، وذكاءً أنضج مما يظهر، وخاطرًا أخصب مما يبدو، لظل مع ذلك رهين نقص كبير يمنعه إلى الأبد أينال مكانة عالية بين الكتاب والأدباء.
لم يأخذ من أية لغة بزمامها، ولا راضت له مطيتها، ولا ذلت له أعنتها، ولم يكن له من خواطره ما يستطيع به أن ينهر غلمانه ويزجر خدمه ويأمر رؤساء كتائبه، ولم يُعن بالقواعد ولا اهتم بالنحو، بل ساءت مخارج ألفاظه ونبرات نطقه.
وكان يشق عليه أن يفهم أوضح المعاني الشعرية في الأدب الألماني، أو يستخرج مرامي أسلس بيوت الشعر، أو يفقه أريض معاني القريض.
وقرئت عليه يومًا ترجمة (افيجيني) للشاعر راسين، فأمسك الأصل الفرنسي في يده، ولكنه اضطر أن يعترف أنه لم يستطع أن يفهم الترجمة حتى وإن راجع الأصل.
على أنه وإن كان ترك لسان بلده وأعرض عن لغة موطنه، وأقبل على اللغة الفرنسية، ووضع لديها كل اهتمامه، فلم يفضل نصيبه منها على مرتبة الأجنب عنها، وما طال حظه
13 / 24