خرج ذات ليلة يطوف بالمدينة، وكان يفعل ذلك كثيرًا، إذ مرّ بامرأة من نساء العرب مغلقة عليها بابها وهي تقول:
تطاول هذا الليل تسري كواكبه ... وأرقني١ ألا ضجيع ألاعِبُه
ألاعبه طورًا وطورًا كأنما ... بدا قمرًا في ظلمة الليل حاجبه
يسر به من كان يلهو بقربه ... لطيف الحشا لا تجتويه٢ أقاربه
فوالله لولا الله لا شيء غيره ... لنقض من هذا السرير جوانبه
ولكنني أخشى رقيبًا موكلًا ... بأنفسنا لا يفتُر الدهر كاتبه
ثم تنفست الصعداء٣، وقالت: لهان على عمر بن الخطاب وحشتي وغيبة زوجي عني". وعمر واقف يسمع قولها، فقال عمر: "يرحمك الله"، ثم وجه إليها بكسوة ونفقة وكتب في أن يقدم عليها زوجها٤.
وعن الشعبي قال: "بينا عمر يعس ذات ليلة إذ مرّ بامرأة جالسة على سرير وقد أجافت الباب وهي تقول:
تطاول٥هذا الليل واخضل٦جانبه ... وأرقني أن لا خليل ألاعبه
فوالله لولا الله لا شيء غيره ... لحرّك من هذا السرير جوانبه
فقال عمر ﵁: "أَوْهُ"٧، ثم خرج فضرب الباب على
١ الأرَق: السهر، وقد أرِقت، بالكسر، أي: سهرت. (لسان العرب ١٠/٤) .
٢ اجتواه: كرهه. (القاموس ص ١٦٤١) .
٣ الصّعداء: المشقة، كالصعدود وكالبُرحاء: تنفس طويل. (القاموس ص ٣٧٣) .
٤ ابن الجوزي: مناقب ص ٨٣، ابن كثير: التفسير ١/٣٩٤، وفيه السائب بن جبير لم أعثر له على ترجمة، وابن إسحاق عنعن، وهو مدلس.
٥ في الأصل: (تطال)، وهو تحريف.
٦ أخْضَلَ الليل: أظلم. (القاموس ص ١٢٨٣) .
٧ أوْهُ: كلمة تقال عند الشّكاية أو التوجع. (القاموس ص ١٦٠٤) .