تجربةٍ في أمور الدنيا واحتياطٍ فيها، ويعرف النفع والضرَّ ودقائقَ الحساب وما أشبه ذلك، ولم ينته عمَّا هو سببُ هلاكه وخسرانه في الآخرة، فليس بعاقلٍ في الحقيقة؛ لأن الاحتراز عمَّا هو سبب الهلاك في الدنيا بالنسبة إلى ما هو سببُ الهلاك في الآخرة شيءٌ قليل، فمَن احترز عن هلاك الدنيا ولم يحترز عن هلاك الآخرة فهو كمَن يحترز عن أن يقع في حفرةٍ قعرُها قَدْرَ ذراعٍ مثلًا، ولا يحترز عن أن يلقي نفسه في بئرٍ قعرُه ألفُ ذراعٍ، فلا يَحكُم بكون هذا الرجل عاقلًا أحدٌ.
فإذا عرفت هذا فاعلم أن المراد بالعقل في هذا الحديث هو العقلُ الديني؛ لأنه ﵇ علَّل نقصان عقلهن بجعل امرأتين في الشهادة كرجلٍ واحد، والشهادةُ شيءٌ شرعيٌّ وهي عبادةٌ؛ يعني: مَن كان عقله الدينيُّ أكثرَ تكون تقواه أكثر، وإذا كان تقواه أكثر يكون أحفظَ وأوعى للشهادة؛ لأنَّ شهادة الزور تكون سبب الهلاك والخسران في الآخرة، ويحترزُ العاقل عن مثل هذا، ولمَّا كان عقل النساء أقلَّ جعل الشرع امرأتين بمنزلة رجلٍ في الشهادة.
ويحتمل أن تكون علةُ جعل امرأتين بمنزلة رجلٍ واحدٍ في الشهادة؛ لأن النسيان عليهن أكثر من الرجال، وإلى هذا أشار قوله تعالى: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] (ممَّن ترضون)؛ أي: من العدول والصُّلحاء (أن تضل)؛ أي: أن تنسى إحداهما الشهادة، فتذكرها المرأة الأخرى الشهادة.
قوله: "أليس إذا حاضت المرأة لم تصل ولم تصم"؛ أي: أليس الحكم أن المرأة تترك الصلاة في أيام حيضها ونفاسها، والرجلُ لا يترك الصلاة، ومَن يترك الصلاة في بعض الأيام يكون دينه أنقصَ من الذي لا يترك الصلاة.
واعلم أن الدِّين عبارةٌ عن جميع خصال الخير والانتهاءِ عن جميع المناهي،