208

The Keys to the Unseen

مفاتيح الغيب

ناشر

دار إحياء التراث العربي

ایڈیشن

الثالثة

اشاعت کا سال

١٤٢٠ هـ

پبلشر کا مقام

بيروت

اصناف

تفسیر
الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي تَقْرِيرِ أَنَّ سُورَةَ الْفَاتِحَةِ جَامِعَةٌ لِكُلِّ مَا يَحْتَاجُ الْإِنْسَانُ إِلَيْهِ فِي معرفة المبدأ والوسط والمعاد
جمع الفاتحة لكل ما يحتاج إليه:
اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ إِشَارَةٌ إِلَى إِثْبَاتِ الصَّانِعِ الْمُخْتَارِ، وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْمُعْتَمِدَ فِي إِثْبَاتِ الصَّانِعِ فِي الْقُرْآنِ هُوَ الِاسْتِدْلَالُ بِخِلْقَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى ذَلِكَ، أَلَا تَرَى أَنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵇ قَالَ: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ [البقرة: ٢٥٨]، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ [الشعراء: ٧٨]، وَقَالَ مُوسَى ﵇: رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [طه: ٥٠]، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ [الشعراء: ٢٦]، وقال تعالى في أول سورة البقرة: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الْبَقَرَةِ: ٢١] وَقَالَ فِي أَوَّلِ مَا أَنْزَلَهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﵇: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ [الْعَلَقِ: ١، ٢] فَهَذِهِ الْآيَاتُ السِّتُّ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى اسْتَدَلَّ بِخَلْقِ الْإِنْسَانِ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ تَعَالَى، وَإِذَا تَأَمَّلْتَ فِي الْقُرْآنِ وَجَدْتَ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ فِيهِ كَثِيرًا جِدًّا.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ كَمَا أَنَّهُ فِي نَفْسِهِ هُوَ دَلِيلٌ فَكَذَلِكَ هُوَ نَفْسُهُ إِنْعَامٌ عَظِيمٌ، فَهَذِهِ الْحَالَةُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا تُعَرِّفُ الْعَبْدَ وُجُودَ الْإِلَهِ دَلِيلٌ، وَمِنْ حَيْثُ إِنَّهَا نَفْعٌ عَظِيمٌ وَصَلَ مِنَ اللَّهِ إِلَى الْعَبْدِ إِنْعَامٌ، فَلَا جَرَمَ هُوَ دَلِيلٌ مِنْ وَجْهٍ، وَإِنْعَامٌ مِنْ وَجْهٍ، وَالْإِنْعَامُ مَتَى وَقَعَ بِقَصْدِ الْفَاعِلِ إِلَى إِيقَاعِهِ إِنْعَامًا كَانَ يَسْتَحِقُّ هُوَ الْحَمْدَ، وَحُدُوثُ بَدَنِ الْإِنْسَانِ أَيْضًا كَذَلِكَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ تَوَلُّدَ الْأَعْضَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ الطَّبَائِعِ وَالصُّوَرِ وَالْأَشْكَالِ مِنَ النُّطْفَةِ الْمُتَشَابِهَةِ الْأَجْزَاءِ لَا يُمْكِنُ إِلَّا إِذَا قَصَدَ الْخَالِقُ إِيجَادَ تِلْكَ الْأَعْضَاءِ عَلَى تِلْكَ الصُّوَرِ وَالطَّبَائِعِ، فَحُدُوثُ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ صَانِعٍ عَالِمٍ بالمعلومات قادر على كل المقدورات قَصَدَ بِحُكْمِ رَحْمَتِهِ وَإِحْسَانِهِ خَلْقَ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُطَابِقِ لِمَصَالِحِنَا الْمُوَافِقِ لِمَنَافِعِنَا، وَمَتَى كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ كَانَ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ، فَقَوْلُهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ، وَعَلَى عِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَرَحْمَتِهِ، وَكَمَالِ حِكْمَتِهِ وَعَلَى كَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ وَالتَّعْظِيمِ، فَكَانَ قَوْلُهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ دَالًّا عَلَى جُمْلَةِ هَذِهِ الْمَعَانِي، وَأَمَّا قَوْلُهُ: رَبِّ الْعالَمِينَ فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْإِلَهَ وَاحِدٌ، وَأَنَّ كُلَّ الْعَالَمِينَ مُلْكُهُ وَمِلْكُهُ، / وَلَيْسَ فِي الْعَالَمِ إِلَهٌ سِوَاهُ، وَلَا مَعْبُودٌ غَيْرَهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِلَهَ الْوَاحِدَ الَّذِي لَا إِلَهَ سِوَاهُ مَوْصُوفٌ بِكَمَالِ الرَّحْمَةِ وَالْكَرَمِ وَالْفَضْلِ وَالْإِحْسَانِ قَبْلَ الْمَوْتِ وَعِنْدَ الْمَوْتِ وَبَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِنْ لَوَازِمِ حِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ أَنْ يَحْصُلَ بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ يَوْمٌ آخَرُ يَظْهَرُ فِيهِ تَمْيِيزُ الْمُحْسِنِ عَنِ الْمُسِيءِ، وَيَظْهَرُ فِيهِ الِانْتِصَافُ لِلْمَظْلُومِينَ مِنَ الظَّالِمِينَ، وَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ هَذَا الْبَعْثُ وَالْحَشْرُ لَقَدَحَ ذَلِكَ فِي كَوْنِهِ رَحْمَانًا رَحِيمًا، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا ظَهَرَ أَنَّ قَوْلَهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ الْمُخْتَارِ، وَقَوْلَهُ: رَبِّ الْعالَمِينَ يَدُلُّ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ، وَقَوْلَهُ: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يَدُلُّ عَلَى رَحْمَتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَقَوْلَهُ: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ حِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ بِسَبَبِ خَلْقِ الدَّارِ الْآخِرَةِ، وإلى هاهنا تَمَّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي مَعْرِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ. أَمَّا قَوْلُهُ:
إِيَّاكَ نَعْبُدُ- إِلَى آخِرِ السُّورَةِ فَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى الْأُمُورِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهَا فِي تَقْرِيرِ الْعُبُودِيَّةِ، وَهِيَ مَحْصُورَةٌ

1 / 228