معقول و لا معقول
المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري
اصناف
وأما مادة «ك ل م» - التي منها الكلام - فحيث تقلبت حروفها فمعناها الدلالة على القوة والشدة، فلا عجب أن يجيء منها كلمة «كلم» (بسكون اللام) للجرح؛ لما يعنيه الجرح من شدة، فالمسافة قريبة بين جرح اللسان وجرح اليد: «جرح اللسان كجرح اليد» كما قيل.
فنخلص من هاتين المقدمتين (أعني المقدمة التي نحلل بها كلمة «قول» والأخرى التي نحلل بها «كلم») إلى نتائج في أسس اللغة، بل وفي أسس المنطق العقلي ذاته، منها أن يكون شرط الكلام أن يستقل بنفسه وأن يجيء مفيدا لمعناه، وهو ما يسميه النحويون «جملة»، أما القول فلا يشترط فيه هذا الاكتمال في البناء، فكل ما تحرك به اللسان هو قول، تاما كان أو ناقصا، وبهذا يكون كل كلام قولا، وليس كل قول كلاما، ولما كان «القول» غير مشروط بصورة محددة معينة، اتسع معناه ليدل على الاعتقادات والآراء، كأن تحكي عن فلان بأنه يقول بقول أبي حنيفة، وإنه لمما يدل على الفرق بين «القول» و«الكلام» إجماع الناس على أن يقولوا: القرآن كلام الله، ولا يقال عن القرآن: قول الله؛ وذلك لأنك حين تأخذ بقول معين، فليس شرطا أن تلتزم بحروف الأصل، بل يكفي أن تأخذ الرأي أو تأخذ الرأي أو الفكرة والمحتوى، ولما كان القرآن ثابتا على صورة لفظية معينة، لم يعد جائزا أن يقول القائلون: لقد أخذنا بقول القرآن ... ولست أدري بماذا كان يجيب ابن جني إذا سألناه: ألسنا نقول: قال الله تعالى كذا وكذا؟
وما دام الشرط في «الكلام» أن يكون تام المعنى، لم يكن الحرف الواحد، بل ولا الكلمة الواحدة كلاما؛ فالكلمة الواحدة لا تتملك قلب السامع، وهل يمكن لسامع أن يستعذب قولا حين لا يكون القائل قد نطق إلا بحرف واحد أو بكلمة واحدة؟ بل إن الحرف الواحد لا وجود له في النطق، فحاول أن تنطق بحرف واحد وهو في حالة سكون؛ إنك عندئذ ستضطر اضطرارا إلى إضافة حرف الألف إليه ليمكنك النطق به، وكذلك إن كان الحرف متحركا وأردت الابتداء به والوقوف عليه، فلا بد لك عندئذ أن تنطق بالحرف مقرونا بحركة، وإلا استحال عليك النطق به.
وتمضي مع المؤلف أربعين صفحة ليوقفك أمام سؤال طالما طرح من قبل ومن بعد، وهو عن اللغة؛ أهي إلهام أم اصطلاح؟ أو بعبارة أخرى كثيرا ما يستخدمها الباحثون العرب في هذا المجال: أهي توقيف أم تواضع؟ والمعنى المقصود بالسؤال هو ما إذا كانت اللغة كلها رموزا اصطلح على استخدامها مجموعة الناس، وكان في مستطاعهم أن يصطلحوا على سواها، أم هي هكذا أوحي بها إلى الناس ولم يكن لهم قبل بتغييرها؟ ولطالما عجب كاتب هذه الصفحات من سؤال كهذا يطرح للبحث، والأمر فيما يرى أوضح من أن يكون موضعا لسؤال، وأقل ما يقال في هذا الصدد هو أن اختلاف اللغات باختلاف الشعوب، ثم الطريقة التي تتطور بها نتيجة لاختلاط هذه الشعوب بعضها ببعض، أمران يحسمان الأمر حسما لا سبيل إلى تردد فيه.
لكن السؤال قد طرح مرارا، ومرارا أجاب المجيبون بأن اللغة إلهام من الله، وليست من صنعة الإنسان، ولعل أصحاب هذا الجواب كانوا على حيطة فيه؛ خشية أن يؤدي القول باصطلاحية اللغة إلى شكوك تحيط بلغة القرآن وصدورها عن الله، والحمد لله؛ فإن ابن جنى لم يكن من هؤلاء، بل قرر في وثوق باصطلاحية اللغة؛ يقول: «... أكثر أهل النظر على أن أصل اللغة إنما هو تواضع واصطلاح، لا وحي وتوقيف، إلا أن أبا علي - رحمه الله - قال لي يوما: هي من عند الله، واحتج بقوله سبحانه:
وعلم آدم الأسماء كلها ، وهذا لا يتناول موضع الخلاف؛ وذلك أنه قد يجوز أن يكون تأويله: أقدر آدم على أن واضع عليها، وهذا المعنى من عند الله سبحانه لا محالة ، فإذا كان ذلك محتملا غير مستنكر سقط الاستدلال به» (ج1، ص40-41). «فإن قيل: فاللغة فيها أسماء وأفعال وحروف، وليس يجوز أن يكون المعلم من ذلك الأسماء دون غيرها مما ليس بأسماء، فكيف خص الأسماء وحدها؟ - قيل: اعتمد ذلك من حيث كانت الأسماء أقوى القبل الثلاثة، ولا بد لكل كلام مفيد من الاسم، وقد تستغني الجملة المستقلة عن كل واحد من الحرف والفعل، فلما كانت الأسماء من القوة والأولية في النفس والرتبة - على ما لا خفاء به - جاز أن يكتفى بها مما هو تال لها، ومحمول في الحاجة إليه عليها» (نفس الموضع السابق ذكره، وكذلك انظر في ذلك ج2، ص30).
وليس يمكن فيما أعتقد أن يكون الأمر على غير هذا الذي ذهب إليه ابن جني، لا من حيث اللغة العربية وحدها، بل من حيث اللغة على إطلاقها؛ فالإنسان إنما يستيقظ وعيه أول ما يستيقظ - في العالم المحيط به - على «أشياء»، ومهما بلغت بنا درجة اليقين من أن «الأشياء» حين تقع في مجال الخبرة الإنسانية، فإنما تقع وهي ذوات علاقات وأفعال تؤثر بها أو تتأثر، ومن ثم يكون وعي الإنسان الأول بالأشياء المحيطة به، والداخلة في مجال إدراكه وخبرته، وعيا في الوقت نفسه بعلاقات الشيء المعين بسواه، وبما يمكن أن يحدثه ذلك الشيء من أثر في حياتنا، ومن إدراك العلاقات تكون الحروف في اللغة، ومن الأثر الحادث تكون الأفعال في اللغة. أقول: إننا مهما بلغت بنا درجة اليقين في صدق هذا القول، فذلك لا ينفي - بل يؤكد - أن الأولوية المنطقية ما زالت للأشياء، ومن ثم فهي للأسماء، ولك أن تلحظ الطفل في أول علاقته بلقط الألفاظ الدالة من ذويه، فسوف تراه يبدأ - ويظل كذلك فترة - بلقط أسماء الأشياء التي تصادفه أو يصادفها، فهو يعرف لفظة «كرسي» قبل أن يتعلم الفعل «يجلس» أو الحرف «على».
ونسير مع المؤلف بضع صفحات بعد ذلك، لنقف عنده على سؤال آخر، كانت إجابته عليه إجابة تقع في صميم الصميم من موضوع كتابنا هذا، الذي أردنا به أن نتعقب بعض المعالم البارزة على طريق «العقل» في تراثنا الفكري، وأما السؤال فهو عن اللغة العربية: أكلامية هي أم فقهية، والمقصود من ذلك هو: هل تخضع قواعد النحو العربي للتعليل العقلي، وبذلك تكون اللغة كلامية الطابع، أو هي تستعصي على التعليل العقلي لكونها سماعية تقليدية، وعندئذ تكون فقهية الطابع؟ فمن الفروق بين علماء الكلام والفقهاء، هو أن الأولين يبحثون عن تفسيرات عقلية لأصول العقيدة، وأما الآخرون فلا تعليل عندهم لأحكام الشريعة؛ إذ لا ندري لماذا كانت صلاة العصر أربع ركعات وصلاة المغرب ثلاثا، فهكذا أمرنا أن نفعل، أما علم الكلام فغير ذلك، فلو قيل لنا مثلا: إن الله أحد صمد كان علينا أن نبين استحالة أن يكون كثيرا وفانيا.
يقول ابن جني جوابا على السؤال المذكور، بالنسبة إلى اللغة العربية: «اعلم أن علل النحويين ... أقرب إلى علل المتكلمين منها إلى علل المتفقهين» (ج1، ص48)، فإذا وجدنا العرب يرفعون الفاعل وينصبون المفعول، كان علينا أن نبحث: لماذا كان الأمر هكذا؟ ولا يجوز أن نكتفي بذكر القاعدة النحوية قائلين: هكذا سمعنا العرب يتكلمون ولا تعليل، ولست أرى كيف يمكن أن تبلغ العقلانية بقوم مبلغا يجاوز هذا الهدف الذي استهدفه ابن جنى، فما كان أيسر أن يقال عن اللغة وقواعدها: إنها منقولة هكذا ولدا عن والد، وما علينا إلا أن نستخلص القواعد من حالات الاستعمال الفعلي للغة عند أصحابها الأولين الذين خلقوها، ثم ما أعسر أن نتعقب هذا المسموع المنقول إلى علله العقلية التي تبرر وجوده على نحو معين دون سواه؟ إن طائفة من الفلاسفة المعاصرين لنا اليوم - ومنهم برتراند رسل - يعتقدون أن طرائق تركيب اللغة المعينة، تكشف لنا عن اعتقادهم الميتافيزيقي، أنها تكشف عن تصورهم للطريقة التي ركب بها العالم، فليس المعول هنا على الأسماء المفردة التي يستخدمها شعب معين في لغتهم؛ لأن الأسماء وبقية المفردات اللغوية متغيرات لا تدوم حتما، وكثيرا ما يصيبها التغير على مر الزمن وتغير الحضارة، وأما الذي نعول عليه فهو طريقة «تركيب» الجملة، ومثل هذا الإطار الصوري هو الذي قلما يصيبه التغير مهما امتد الزمان، وأحسب أن ابن جني حين أراد التعليل العقلي لقواعد اللغة، فإنما أراد طرائق التركيب، وإذا كان ذلك كذلك، فهو بهذا التعليل يقدم لنا نافذة نطل منها على عقيدة العربي في تركيب العالم الخارجي.
فلماذا كانت قاعدة العربي في الكلام أن يرفع الفاعل وأن ينصب المفعول؟ لماذا لم يصطلح المتكلمون بالعربية على عكس ذلك؟ هنا لم يقل ابن جني: هكذا جرى الأمر ولا تعليل، بل هو يحاول التعليل، فيقول: «... الذي فعلوه أحزم؛ وذلك أن الفعل لا يكون له أكثر من فاعل واحد، وقد يكون له مفعولات كثيرة، فرفع الفاعل لقلته، ونصب المفعول لكثرته؛ وذلك ليقل في كلامهم ما يستثقلون، ويكثر في كلامهم ما يستخفون» (ج1، ص49). وتصور ابن جني سائلا يسأل: أليس في اللغة أشياء كثيرة لا نستطيع تعليلها على هذا النحو؟ فيجيب ابن جني: «... لسنا ندعي أن علل أهل العربية في سمت العلل الكلامية البتة، بل ندعي أنها أقرب إليها من العلل الفقهية» (ص53). وهو في هذا الموقف ذو منهج علمي دقيق؛ لأنه إذا كان بعض أوضاع اللغة ممكن التعليل دون بعض، فلا بأس من تعليل ما يمكن تعليله، ثم تعليق ما لا يمكن تعليله حتى تعرف العلة؛ إذ لا يجوز أن نهمل الممكن من أجل غير الممكن.
نامعلوم صفحہ