معقول و لا معقول
المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري
اصناف
ثم تكلم الكبش فقال: لو رأيتنا - أيها الملك - وبنو آدم يأخذون صغارنا، فيفرقون بينها وبين أمهاتها، ليأخذوا ألبان الأمهات لأولادهم ، وليجلعوا أولادنا مشدودة أرجلها وأيديها، محمولة إلى المذابح والمسالخ، جائعة عطشانة، تصيح فلا ترحم، وتصرخ وتستغيث فلا تغاث، ثم نراها مذبوحة مسلوخة مشقوقة أجوافها، مفرقة أعضاؤها ورءوسها وكروشها ومصارينها وأكبادها في دكاكين القصابين، مقطعة بالسواطير مطبوخة في القدور، مشوية في التنور، ونحن سكوت لا نبكي ولا نشكو! فأية رحمة علينا منهم كما زعم الإنسي؟
وبمثل هذا تكلم الجمل، وتكلم الفيل، وتكلم الفرس، ثم تكلم كذلك البغل زعيمهم ...
فلما فرغ البغل من كلامه، التفت الجمل إلى الخنزير، فقال له: قم وتكلم واذكر ما تلقون - معشر الخنازير - من جور بني آدم.
فقال حكيم من حكماء الجن: لا، لعمري ليس الخنزير من الأنعام بل من السباع، ألا ترى أن له أنيابا ويأكل الجيف؟ وقال قائل آخر من الجن: بل هو من الأنعام، ألا ترى أن له ظلفا ويأكل العشب والعلف؟ ثم قال ثالث: بل هو مركب من السباع والأنعام والبهائم، مثل الزرافة، فهي مركبة من الحمار والجمل.
فقال الخنزير للجمل: والله ما أدري ما أقول، من كثرة اختلاف الرأي في أمرنا، ألم تسمع كيف اختلف فينا حكماء الجن؟ وأما الإنس فهم أكثر اختلافا؛ فالمسلمون يقولون إنا ممسوخون ويستقذرون لحومنا، وأبناء الروم يتنافسون في أكل لحومنا، واليهود يلعنوننا من غير ذنب منا إليهم، لكن لعداوة بينهم وبين النصارى ...
هكذا لبث الحوار قائما وممتعا، حتى إذا ما فرغ الفريقان مما أرادا قوله، سأل ملك الجن مستشاريه من الحكماء، فكاد الرأي يلتقي عند فكرة رأوها عادلة، وهي أن الحق هو في جانب صنوف الحيوان، وأن بني آدم جائرون بالحيوان ظالمون، وإذن فالصواب هو أن يأمر الملك البهائم والأنعام الأسيرة في أيدي بني آدم أن تهرب كلها في ليلة واحدة، وتبعد من ديار بني آدم كما فعلت حمر الوحش والغزلان والسباع.
لكن رئيس الحكماء نبه الحاضرين إلى أمر يجعل ذلك الهرب مستحيلا؛ لأن الآدميين يقيدون ما في حوزتهم من بهائم وأنعام، أثناء الليل، ويغلقون دونها الأبواب، فاقترح أحدهم أن يبعث الملك بقبائل من الجن يفتحون الأبواب المغلقة ويفكون القيود ويخبلون حراسها إلى أن تبعد البهائم وتنجو. •••
هذه صورة واحدة قبستها للقارئ لأقدم له بها صورة عن طريقة إخوان الصفا في استخدامهم للحيوان رمزا يرمزون به إلى ما يريدون أن يقولوه، وهي طريقة تجدها شائعة في رسائلهم، وخصوصا في الجزء الثاني الذي نقلنا عنه هذه الصورة التي قدمناها، وأول ما يتبادر إلى ذهن القارئ هنا، أن إخوان الصفا أرادوا شيئا كالذي أراده «جورج أورويل» - الأديب الإنجليزي المعاصر - في كتابه «مزرعة الحيوان»، ففي هذا الكتاب يجمع الكاتب حيوان المزرعة لتتبادل الرأي فيما بينها عما عساها فاعلة تجاه صاحب المزرعة الذي يستغلها لنفسه أبشع استغلال؟ فلماذا لا يكون لها رأي في حياتها، فتؤدي ما توافق هي على أدائه، وتمتنع عما تريد أن تمتنع عنه؟ وواضح من الكتاب أن «أورويل» يسخر من الشيوعية في تصورها بأن العمال يجب أن يثوروا على صاحب المصنع، كما يجب أن يكون لهم الرأي الأول في إدارة ذلك المصنع؛ إذ لا مبرر على الإطلاق أن يكون كل الجهد المبذول جهدها، وكل الثمرة العائدة لصاحب المال الذي لا يحرك ساعديه بعمل ... وربما أخطأ «أورويل» فيما تصوره وصوره، وربما أصاب؛ فليس هذا موضوعنا الآن، لكن ما أردنا الإشارة إليه هو هذا الشبه الشديد بين الصورة التي رسمها «الإخوان» لمجتمع الحيوان وهو يشكو ظلم الإنسان به واستغلاله له، وبين تلك التي رسمها «أورويل» لهذا المجتمع الحيواني وقد أخذت أفراده تتشاور فيما تصنعه إزاء ظلم صاحب المزرعة.
ولئن كان «أورويل» قد رمز بصورته تلك إلى أوجه النقص في مذهب الشيوعية، فليس لدينا شك في أن إخوان الصفا كذلك رمزوا بصورتهم التي قدموها إلى أوجه الجور والعسف في حكم بني العباس، فقد وردت إشارة تكاد تقطع بذلك - ولقد جذبنا انتباه القارئ إليها في حينها - والذي يبقى على دارسي التاريخ العربي والأدب العربي، هو أن يتقصوا لنا معاني الرموز التفصيلية إن كان لها من معان، فمن ذا الذي يرمزون إليه بالبغل، وهو كما رأينا في الحوار السابق زعيم البهائم والناطق باسمها، ثم من يكون الحمار؟ والثور؟ والكبش؟ والجمل؟ والفيل؟ والفرس؟ والخنزير؟ ... ألا إننا لو فككنا هذه الرموز لنطقت لنا الصورة الأدبية بما يفصح عن دخائل الحياة العربية عندئذ (القرن العاشر الميلادي) والحياة السياسية منها بوجه خاص.
وأيا ما كان الأمر، فكم كنا نود لوقفتنا مع إخوان الصفا أن تطول أكثر مما طالت، لكن قطرة من البحر قد تغني بطعمها عن البحر كله، ويكفينا أن هذه الجماعة من الأصدقاء كانت في عصرها لسانا معبرا عن أشياء كثيرة حولها، فأولا: قد لخصت لنا أجود تلخيص حياة العلم والعلماء في عصرها، وثانيا: يمكن اعتبارها طليعة تقدمية إذا قسناها بتيارات كثيرة حولها أرادت أن تشد الناس شدا إلى الوراء، وحسبنا هذه الوقفة من الحيوان التي وقفها «الإخوان» والتي ربما قصدوا بها إلى تمجيد الحياة كائنا ما كان لبوسها، أو إن شئت فقل: تمجيد الباري في كل كائن من خلقه، فكل كائن حي هو في ذاته آية تستحق التمجيد، ولا يفوتني في نهاية الحديث عن «الإخوان» أن أشير إلى أسلوب الرمز الذي كان مألوفا عند الباطنية والصوفية والشيعة، فهؤلاء جميعا لم يريدوا أن يأخذوا الأمور من سطحها الظاهر، بل كانوا أميل إلى «تأويل» كل ما يصادفهم من آيات الكتاب الكريم في إشارتها إلى كائنات الأرض والسماء، وكثيرا ما يدل استنطاق الرموز وتأويلها لتكشف عن حقيقتها المستورة، على ذكاء شديد ممن يضطلع بالمحاولة، وهكذا كانت الحال عند إخوان الصفا كلما رمزوا بقصة عما يريدونه، وكلما أولوا رموزا ليكشفوا عما وراءها.
نامعلوم صفحہ