66

فصاح بها المسيب: أوأنت عاتكة؟

فقالت المرأة: أنا عاتكة ابنة نهشل.

فخفض الرجل بصره وجمع الطفل إلى صدره في عطف وسار صامتا أمامها ليلحق بالركب.

سلامش

«قد تختلف الشعوب، وقد تقوم الحدود بين الدول وتثور فيها الحروب، ولكن القلب الإنساني يجمع بينها ويزيل أحقادها.»

دافع المحصورون في أنطاكية دفاع الأبطال. لم يتركوا الأسوار حتى لم يبق بها ركن غير مثلوم. ولم يدعوا الضرب حتى لم يبق لمجانيقهم حجر يقذفون به أو نار يلقون بها على أعدائهم. وانتصرت جنود السلطان بيبرس، ودخلت المدينة في أبهة النصر واختيال القوة. وكانوا وهم يدخلون المدينة لا ينسون أنهم فتحوا أكبر معقل بقي للنصارى في الشام، بعد أن كانوا قد بسطوا أيديهم على ذلك القطر كله.

وكان قائد الجند «سلامش» شابا في مقتبل العمر، لو رآه أحد في غير لباس الحرب لظنه أحد أبناء الملوك المنعمين. وجه مشرق وقوام ممشوق ورأس عال وعين تنطق بالسيادة. وكان في عدة الحرب عليه اللامة والدروع وفي يده الرمح وفي منطقته السيف، راكبا جواده الأصيل في صدر جنوده، ناظرا إلى الأمام معبسا جادا.

وكان يوم دخول أنطاكية يوما مشهودا، فكان نساء المدينة وصبيانها أسرى ينتظرون حكم الفاتح فيهم! وكان رجالهم وشبانها بين مقيد في الأصفاد وجريح يعنى به في خيام العلاج، وقتيل طريح على جانب الأسوار. وبلغ القائد وجيشه ميدان المدينة الأكبر، وقد احتشد فيه الأسرى والضعفاء يتطلعون جميعا إلى من في يده الحكم في مصائرهم. وهدأت الأصوات، وأومأ القائد للجيش بالوقوف حول الميدان. فوقف الجند ينظرون إلى أكوام الغنائم التي أمر السلطان الأعظم أن تقسم بينهم، وهي من كل نفيس ونادر من تحف الأمراء والأغنياء. ووقف جماعات من سبايا الحرب بين صبية وعذارى وبين كهول وشبان ينظرون إلى قيودهم حانقين، أو يبكون ويندبون معولين.

وتقدم نحو سلامش وفد من كبار المدينة وأمرائها، حتى إذا ما صاروا منه على بضع خطوات ركعوا له ووقفوا يطلبون الإذن بالكلام، فأذن لهم وهو معبس على عادته، لا تفارقه تلك النظرة الصارمة التي في عينيه. وجعلوا يتكلمون بلسانهم ورجل منهم يترجم ما يقولون، فطلبوا أن يمن عليهم القائد بالحرية وأن يهبهم نساءهم وذراريهم تقربا إلى الله الذي نصره، بعد أن وضعت الحرب أوزارها ودانت المدينة لحكم السلطان الأعظم. وقالوا له فيما قالوا: «حسبك من قتلت من شبابنا وكهولنا، وما خربت من ديارنا ومعاهدنا، فلئن كانت بنا كبرياء لقد ذلت، ولئن كانت فينا عزة لقد هانت، وكفاك من الحرب النصر، فلا تضم إليه دموع المساكين ولهيب الفراق بين الأبناء والوالدين.»

غير أن سلامش بقي على تعبيسه ووجومه، ولم يجب إلا بإشارة لجنوده أن يعيدوا الأسرى إلى معسكر السلطان حتى يرى فيهم رأيه الأخير، فلم يكن للوفد إلا أن يرتد كليلا حسيرا.

نامعلوم صفحہ