وفي مساء اليوم نفسه يزور طه حسين لطفي السيد ويقص عليه كل ما حدث، ولطفي السيد يبادر فيكلم الأستاذ عبد الحميد بدوي بالتليفون ويقول له: «الموضوع الذي تحدثت فيه مع الدكتور طه بالأمس ليس هذا وقت العتاب، ولكنني أرجو أن تعمل كل ما تستطيع لتصرف عنا وعن الجامعة هذه الكارثة.» •••
ويعود طه حسين لدروسه في كلية الآداب، ولكنه يعلم ذات يوم أن صدقي باشا قد عدل وزارته وأسقط منها مراد سيد أحمد باشا الذي عين وزيرا مفوضا لمصر في بلجيكا، وعين مكانه حلمي عيسى باشا وزيرا للمعارف.
ويقبل لطفي السيد بك لزيارة طه حسين في منزله ذات مساء فيذكر أثناء الحديث أن طلب الجامعة الخاص بترقية عميد كلية العلوم مستر بنجهام وعميد كلية الآداب طه حسين قد رفض، ولكن الوزارة قررت زيادة راتب مستر بنجهام لتعويضه عن عدم الترقية. ويسمع طه حسين الخبر فلا يعلق، فقد كان يعلم أن رفضه إطاعة أوامر رئيس الحكومة لن يمر بغير عقاب، ولكن المدير يضيف - في أسف - أن اقتراح كلية الآداب إنشاء قسم للآثار بها قد رفض أيضا. •••
وزارة صدقي مطمئنة إلى أنها قد زيفت على العالم مظاهر الحكم الدستوري في مصر، فللبلاد دستور وبرلمان، وفي البرلمان أغلبية ساحقة لحزب الشعب الحاكم، ولهذا الحزب صحيفة تنطق باسم «الشعب» ... ولكن صدقي باشا والسراي والإنجليز يريدون أيضا استخدام الجامعة المصرية ليظهروا للعالم أن الحكم في مصر مستقر وأن البلد هادئ مطمئن.
يتصل وزير المعارف الجديد محمد حلمي عيسى باشا بمدير الجامعة لتنظيم احتفال كبير يشرفه جلالة الملك، وتمنح الجامعة أثناءه عددا من درجات الدكتوراه الفخرية لعدد من الأجانب، منهم إنجليزي وفرنسي وإيطالي وألماني وبلجيكي، ولعدد من المصريين، يريد الوزير أن تمنح الدرجة الفخرية له هو شخصيا أولا ثم لمدير الجامعة لطفي السيد ثانيا، ثم لرئيس مجلس الشيوخ يحيي إبراهيم باشا، ولرئيس مجلس النواب توفيق رفعت باشا، وأخيرا لأحد الوزراء الحاليين وهو علي ماهر باشا.
ويرد مدير الجامعة إنه من غير المعقول أن يطلب درجة دكتوراه لنفسه، ويفطن الوزير إلى أنه من غير المعقول كذلك أن يمنح هو هذه الدرجة وهو رئيس الجامعة الأعلى، فيسحب الاسمين اسم لطفي السيد واسمه هو.
ويقول المدير أيضا إن قانون الجامعة يقضي بعرض هذا الموضوع على مجالس الكليات، وسوف يفعل ذلك، ولكنه يلاحظ أن الأسماء المذكورة في القائمة كلها هي أسماء لرجال من أنصار الوزارة، لا تشمل واحدا من المعارضين، والاقتراح بهذا الشكل يبدو اقتراحا لصالح الحزب الحاكم، فيرد الوزير بأنه لا يقبل أن ينال هذا التكريم في عهده أي معارض، ولكن لا بأس من إعطاء درجة أيضا لكل من عبد الحميد بدوي باشا وعبد العزيز فهمي باشا - وهما من أصدقاء طه حسين - أما الأجانب فليس لدى الوزير أسماء، المهم هو الجنسيات، والمهم هو العجلة في إتمام الإجراءات؛ لأن المطلوب هو أن يزور الملك الجامعة، وأن تمنح هذه الدرجات أثناء الزيارة الملكية في آخر فبراير.
يكرر المدير أنه طبقا للمرسوم الصادر بإنشاء الجامعة فإن مجالس الكليات هي المختصة بالنظر في إعطاء الدرجات الفخرية، وأنه لذلك سينقل اقتراح معالي الوزير إلى عمداء الكليات.
يعترض عميد كلية الآداب طه حسين بأن مرسوم إنشاء الجامعة ينص على أن مجلس الجامعة، بناء على قرار من مجلس الكلية، هو الذي يختص بمنح درجات الشرف المطلوبة، وليس للوزير أن يقرر شيئا في هذا الصدد أو أن يقترح شيئا. إنه يخشى أن يكون المطلوب هو استعمال الجامعة في إقامة مهرجان سياسي كبير للحكومة.
ويقول طه حسين: «إن الحكومة تريد أن تمنح درجات دكتوراه فخرية لبعض أنصارها، وكذلك لأشخاص من الأجانب لا تعرف حتى أسماءهم، وتريد أن تمنح الدرجات لهؤلاء الأجانب دون أن يحضروا بأنفسهم لتسلم درجاتهم، فإن الملك سيزور الجامعة ويشهد منح درجات الدكتوراه الفخرية المطلوبة بعد أيام قليلة، يوم سبعة وعشرين من فبراير.»
نامعلوم صفحہ