يقول طه حسين: «إن التراث الأدبي العربي شهد عصرا ذهبيا يمتد من الجاهلية إلى وفاة أبي العلاء المعري، امتزج فيه التراث العربي الخالص بتراث الأمم المجاورة ... توافرت له عناصر الثبات مع عناصر التحول فأنتج أدبا رائعا.» «وإننا إن أردنا المقارنة السليمة فلنقارنه - الأدب العربي القديم - بأمثاله من الآداب القديمة ... إن الآداب السامية، الآرامية والعبرية، والآداب الفارسية، التي كانت شائعة في المنطقة التي استولى عليها العرب، قد عجزت عن أن تثبت للأدب العربي واندمجت فيه واستحالت روافد له ... والأدب الروماني تقليد لليوناني ... لم يبق إذن إلا أدب اليونان، يمكن أن يقال إنه تفوق على الأدب العربي حقا ... ومع ذلك فإن الأدب اليوناني على قوته لم يثبت للأدب العربي في الشام والعراق ومصر وشمال أفريقيا، وتقلص ظله عن هذه البلاد واضطر إلى الانحصار في البلاد البيزنطية.»
ويسأله طالب آخر: «أليس الأدب العربي القديم بطبيعته أدب بادية فحسب؟» فيقول: «لقد حمل تراثنا الأدبي في نفسه طبيعة خصبة وغنية إلى أقصى ما يمكن من الخصب والغنى، فلم يكد يتجاوز البادية حتى استحالت الطبيعة الخصبة التي كانت منكمشة إلى جذوة من النار لم تلبث أن اشتعلت فشملت العالم القديم وصهرته وحولته إلى طبيعة جديدة مخالفة لما كانت عليه قبل الإسلام.»
ويقول طالب ثالث: «يبدو لنا الأدب العربي القديم أحيانا بعيدا عن الحياة الواقعة.» فيرد طه حسين: «إنما نأى الأدب العربي عن الحياة الواقعة في بعض عصوره حين تسلط المستبدون من غير العرب على حياة الشعوب واستأثروا لأنفسهم وخاصتهم بالسلطة كلها، هناك عكف الأدباء على أنفسهم وفرغوا لها وجعلوا يبدءون ويعيدون فيما ورثوا من معاني القدماء لا يجددون شيئا، حرموا الحياة فتفرغوا لأدب لا حياة فيه.»
ويثور موضوع القديم والجديد فيقول لطلابه: «إن المحدثين يقرءون تراثنا القديم ولكنهم لا يحسنون فهمه، وإنهم كلما أرادوا البحث عن مواضع الإشراق والازدهار في تاريخ البشرية لجئوا إلى التراث الغربي القديم والحديث وغفلوا عن أن التراث العربي يعرض نماذج إنسانية رائعة للطموح والكفاح وحرية الفكر غير أنها لا تجد من يستوحيها.»
ويقول: «إن القديم لا ينبغي أن يهجر لأنه قديم، وإنما يهجر القديم إذا برئ من النفع، فإن كان نافعا فليس الناس أقل حاجة إليه منهم إلى الجديد.»
ثم يقول: «إن الحضارة الحقة لا تنكر القديم وإنما تحميه، لأنها تقوم على أساس منه متين، ولولا القديم ما كان الحديث، فليس التجديد في إماتة القديم بل في إحيائه.»
ويسأل طالب عن رأي أستاذه فيما فرضه الغازي مصطفى كمال في تركيا من كتابة اللغة التركية بالحروف اللاتينية، وتحريمه كتابتها بالحروف العربية، هل يحسن أن تقلد مصر والعالم العربي مصطفى كمال في هذا الشأن؟ فيقول طه حسين إن رأيه هو أن مصطفى كمال مخطئ، وطه حسين يعرف أن في الإملاء العربي صعوبة، وإنه لا بد من البحث عن طريقة لتذليل هذه الصعوبة، ولكنه يرفض رفضا قاطعا أن يكون ذلك عن طريق ترك حروفنا العربية وتقليد الأتراك فيما فعلوه من استعمال الحروف اللاتينية، وهو ينبه إلى أن اللغة التركية ليس لها أصلا حروف خاصة بها، وهي إنما استعارت حروف العربية كما تستعير الآن حروف اللاتينية، أما اللغة العربية فلها حروفها ولها تراثها الضخم المسجل بهذه الحروف، ولا بد لنا من صيانة الكتابة العربية والمحافظة عليها، بل والاعتزاز بها.
وبين طلبة قسم اللغة العربية هذا العام طالبة في السابعة عشرة من عمرها تستمع إلى محاضرات طه حسين، سعيدة بها مقبلة عليها إقبالها على حياتها الجامعية الجديدة، والأستاذ يكلف طلابه ببحوث في موضوعات يحددها لهم فيلقونها أمام زملائهم بين يديه، وقد جاء دور الآنسة سهير محمد القلماوي فكلفها الأستاذ بإعداد بحث عن «طرفة بن العبد».
تحكي سهير القلماوي أنها لما ذهبت رهبة البداية عنها ألقت بحثها، فقالت إنه لا يهمها أن يكون طرفة بن العبد جاهليا أو إسلاميا أو حتى محدثا ما دام شعره هو هذا الذي تجد النفس فيه متعة متجددة؛ لأنه يصور النفس الإنسانية ورد فعل فكرة الموت المحتوم في نفس شاب مغامر في الحب والحرب.
ويقاطع المعلم تلميذته، يقول لها: «مرحى مرحى! وفيم دخولك كلية الآداب يا هانم وأنت في بيتك يمكن أن تحصلي على هذه المتعة؟ نحن هنا نبحث عن الشاعر وعن عصره وعن صلته بعصره.»
نامعلوم صفحہ