لغز عشتار
لغز عشتار: الألوهة المؤنثة وأصل الدين والأسطورة
اصناف
52
وقد نسج الإغريق على منوالها إلهتهم «جايا» الأم ذات الأثداء، والأرض التي ترضع كل الأحياء، أم الآلهة وأم البشر. ورغم بقاء هذه الإلهة في الميثولوجيا الإغريقية كصورة باهتة بلا عبادة، عقب انتصار آلهة الأوليمب على الديانة الأمومية الأقدم، فإن تجلياتها المختلفة قد بقيت عكس وجهيها القديمين؛ وجه الحياة الأبيض ووجه الموت الأسود.
لعل الإلهة «ديمتر» أكثر إلهات الإغريق في عصور الكتابة قربا إلى الصورة الأولى للأم النيوليتية. فهي الأم-الأرض، سيدة المحاصيل وربة خصب الطبيعة. وفي عهودها الأولى، وقبل ظهور أسطورة ابنتها بيرسفوني، كانت سلطتها تمتد إلى العالم الأسفل.
53
من ألقابها كأم بيضاء «الأم العظمى» و«الأم الجبل» و«أم الآلهة». ومن ألقابها كأم سوداء «الغضوبة» و«السوداء».
54
إلا أن وجهها الأسود قد انفصل فيما بعد عن وجهها الأبيض متمثلا في ابنتها بيرسفوني التي غدت إلهة للعالم الأسفل وزوجة للموت هاديس. وباختطاف بيرسفوني ونزولها إلى العالم الأسفل يظهر القمح إلى الوجود؛ ذلك أن الموت في الأسطورة العشتارية ليس قدرا مظلما تفرضه قوى عمياء، بل هو بذرة كامنة في صميم كل حياة، والحياة بذرة كامنة في أعماق كل موت.
أما أرتميس إلهة الصيد والغابات والبراري الوحشية؛ فقد عبدت في بعض المدن اليونانية خارج أرض اليونان على أنها الأرض الأم. في مدينة إفسوس الإغريقية بآسيا الصغرى نجد أرتميس العذراء الرشيقة القد، وقد صورت في هيئة سيدة ممتلئة يندفع من صدرها عشرات الأثداء. وكانت تماثيلها تدهن باللون الأبيض وباللون الأسود آنا آخر (راجع الشكل رقم
2-15
فصل الأم الكبرى ). منذ ولادتها أسرعت أرتميس إلى أبيها زيوس طالبة تزويدها بقوس وجعبة سهام وصندل يساعدها على الجري في الغابات. ثم انطلقت تجوس الأحراش وتطوف البراري بصحبة كلابها المتوحشة. من ألقابها: «المدمرة» و«سيدة الموت المفاجئ»، تطلق سهامها فتصيب وتقتل وترسل الأمراض الفتاكة فتفني المواشي والسكان. وكانت تسر بالأضاحي البشرية؛ ففي إلياذة هوميروس نجد «آغاممنون» يذبح ابنته «أفيجينيا» قربانا لأرتميس السوداء لتقوم بتحريك الريح أمام سفن الإغريق في طريقهم إلى طروادة. وفي رواية أخرى للحادثة نفسها، أن الإلهة قد أنقذت «أفيجينيا» في اللحظة الأخيرة من الذبح وحملتها إلى منطقة تاوروس، حيث جعلت منها كاهنتها الأولى المشرفة على الأضاحي البشرية التي تقدم هناك لأرتميس ... ومنطقة تاوروس هذه كانت معروفة بالأضاحي البشرية التي يتقرب بها العابد لأرتميس السوداء الشرهة للدماء، حيث كان الغرباء ممن قضى حظهم العاثر الاقتراب من تلك الشواطئ يقدمون على مذبح الإلهة. وفي مناطق أخرى جرت العادة في فترات قديمة من تاريخ الإغريق على تقديم عدد من الفتيان قربانا لأرتميس كل خمس سنوات، ثم استبدل طقس القرابين بطقس الجلد بالسياط أمام تمثال الإلهة، فكان الشبان يساقون في مناسبات معينة إلى معبد أرتميس حيث يتم جلدهم بقسوة أمام تمثال الإلهة المحمول من قبل كاهناتها على محفة خاصة. وكان وزن التمثال، كما تروي الأخبار، يزداد ثقلا إذا توانى المكلفون بالجلد عن أداء مهمتهم على الوجه الأكمل.
نامعلوم صفحہ