ولهذا يظهر ارتقاء اللغة من علامات الزمن في أفعالها، فاللغة التي تدل على الزمن بعلامات مقررة في الفعل أعرق وأكمل من اللغة التي خلت من تلك العلامات، وبمقدار الدلالة تكون العراقة والارتقاء.
وقد شاع بين اللغويين المختصين بدراسة تواريخ الألسنة في الغرب أن اللغات السامية ناقصة في دلالة الأفعال على الأزمنة، ومنها اللغة العربية، على تفاوت بينها وبين الفروع الأخرى من الأرومة المشهورة باسم اللسان السامي، أو لسان الساميين.
وربما ساغ هذا القول عن اللغة العربية في عقول المتعجلين من مصدقيه؛ لأنهم توهموا أن هذه اللغة نشأت على صحراء خاوية لا قيمة للوقت عند أهلها؛ فلا جرم تخلو من التوقيت الدقيق في تمييز الأفعال والأحداث.
لكنه وهم لا يثبت على نظرة محققة في التاريخ ولا في اللغة، ولا نحسب أن لغة نفهمها - أو نفهم عنها - قد اشتملت على وسائل للتمييز بين الأوقات كما اشتملت عليها اللغة العربية، سواء نظرنا إلى ضرورات سكانها، أو نظرنا إلى تصريف أفعالها وكلماتها.
فكل لحظة من لحظات النهار والليل قد كان لها شأنها في حياة سكان البادية بين السفر والإقامة والحل والترحال، فمنها ما هو صالح لبدء المسير، وما هو صالح للراحة القصيرة، وما هو صالح للراحة الطويلة، وما ليس يصلح لغير السكينة والاستقرار.
ولهذا وجدت كلمات البكرة والضحى، أو الغدوة والظهيرة والقائلة والعصر والأصيل والمغرب والعشاء والهزيع الأول من الليل، والهزيع الأوسط، والموهن، والسحر، والفجر، والشروق ... ويكاد التقسيم على هذا النحو أن ينحصر بالساعات على صعوبة التفرقة بين هذه الأوقات في كثير من اللغات الأخرى بغير الجمل أو التراكيب.
وكل موسم من مواسم السنة له شأنه في المرعى والانتجاع، وطلب الماء أو التجارة أو الأمان. ولهذا وجدت أسماء المواسم والفصول جميعا، ووجدت معها ثلاثة أسماء مختلفة الدلالة على الدورة حول الشمس في مصطلح الفلكيين: فهي السنة ... وهي العام، وهي الحول، ولكل منها موضعه في التعبير.
ووجدت في اللغة كلمة اليوم والنهار والليل، ولم تنقسم إلى يوم وليل دون تفرقة بين معنى اليوم ومعنى النهار.
بل لهذا وجدت للأوقات كلمات مختلفة على حسب الطول والقصر في المدة، فالمدة شاملة لجميع المقادير من امتداد الزمن، وتنطوي فيها اللحظة أو اللمحة للوقت القصير، والبرهة والردح للوقت الطويل، والفترة للمدة المعترضة بين وقتين، بل وجد فيها الحين للزمن المقصود المعين، والعهد للزمن المعهود المقترن بمناسباته، والزمن للدلالة على جنس الوقت كيفما كان، والدهر للمدة المحيطة بجميع الأزمنة والعهود والأحيان.
مثل هذا الإحساس بالزمن لا تصوره الكلمات في لغة من اللغات التي نفهمها أو نفهم عنها، على صورة أدق من هذه الصورة ولا أدل على الفوارق بين أجزائها، ولا غرابة في ذلك لو أراد الباحثون أن يلتمسوا السبب الذي يبطل العجب، فإن الزمن الماضي «مهم» عند أبناء البادية العربية في كل عهد من عهوده؛ لأنه مستودع المفاخر والأنساب والثارات والسوابق والذكريات، وليس من المصادفة أن يسمى التاريخ هنا باسم الأيام، وأن يعرف لكل يوم أثره فيما كان وما يكون.
نامعلوم صفحہ