235

Lessons of Sheikh Osama Suleiman

دروس الشيخ أسامة سليمان

اصناف

الحلم من صفات عباد الرحمن وضده الغضب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فإن من صفات عباد الرحمن بعد التواضع الحلم، قال تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣]، وصفة الحلم بينها ربنا في قوله: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤]، مر نفر من اليهود بعيسى ﵇ فسبوه ولعنوه، فأحسن لهم القول فسئل: يسبونك وتحسن إليهم! فقال: كل إناء ينضح بما فيه، فهذا دأبهم وهذا دأبي، وانظر أيضًا إلى حلم خير الأنام ﵊، ففي سنن أبي داود والحديث عند البخاري أيضًا في كتاب العلم: (أن رجلًاَ دخل المسجد فبال فيه، فاجتمع الصحابة عليه لينهروه وليزجروه، فقال ﷺ: دعوه حتى يكمل بولته -أي: لا تقطعوا عليه بولته- ثم أريقوا عليه سجلًا من ماء).
يقول ابن حجر في الفتح: انظر إلى حلم الحبيب محمد ﷺ عندما اختار أقل المفاسد؛ لأنه حينما يتبول في المسجد فإنه سيصيب مكانًا واحدًا، لكن حينما يمنع ويزجر فسيفر من بين يدي الصحابة ويصيب المسجد كله، فهذه الأولى، والثانية: أنه ربما يصاب بأذى نظرًا لحبس البول في جوفه فاختار ﵊ أقل المفاسد، ثم قال لأصحابه: (إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)، وألان ﵊ الحديث للرجل وعلمه، حتى إن بعض الروايات جاء فيها: (خرج الرجل وهو يقول: اللهم اغفر لي ولمحمد ولا تغفر لأحد سوانا، فقال له الرسول ﷺ: أيها الأعرابي لقد حجرت واسعًا)، وأنا أسأل: لو فعل رجل جاهل اليوم هذه الفعلة في أي مسجد من مساجدنا ماذا سنصنع به؟! يحمل مباشرة إلى خشبة غسله، فيغسل مع أهل القبور! لعدم الحلم من الناس، وما دخل العنف في شيء إلا شانه، وما دخل الرفق في شيء إلا زانه.
عطس رجل عند عبد الله بن المبارك ولم يقل: الحمد لله، فقال له ابن المبارك: أخي في الله ماذا يقول المسلم بعد أن يعطس؟ قال: يقول: الحمد لله، قال: إذًا يرحمك الله، لكن لو أن واحدًا منا عطس ولم يحمد الله لقال له آخر: تعلم يا جاهل! عطست دون أن تحمد الله، لكن الأدب الإسلامي أن تعلمه برفق، وتأمل وانظر إلى إبراهيم وهو يقول لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم:٤٢ - ٤٥]، يقول الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان: انظر إلى التلطف في العبارة فقد كرر لفظ: (يَا أَبَتِ) أربع مرات؛ ليستحث عند أبيه مشاعر الأبوة، وفي المقابل انظر إلى غلظة الأب: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي﴾ [مريم:٤٦] ولم يقل: يا بني ولكن قال: ﴿يَا إِبْراهِيمُ﴾ [مريم:٤٦]، وكأنه يتنكر لبنوته، ﴿يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم:٤٦ - ٤٨]، يا له من حلم من إبراهيم ﵇، فالحلم من صفات عباد الرحمن ﷿، فإياك إياك أن تجهل لجهل سفيه عليك، فإن معك ملكًا يرد على السفيه حتى إذا رددت عن نفسك رحل الملك وتركك معه.
وهذا موقف آخر يحكي لنا حلم النبي ﵊: (ففي حنين عندما وزع الغنائم بين المسلمين قال له رجل: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله ﷿! فقال: رحم الله أخي موسى لقد أوذي أكثر من ذلك فصبر) فقد قالوا عن موسى ﵇ كما عند البخاري في كتاب الغسل: أنه آدر، يعني: به انتفاخ في الخصيتين، وقالوا: موسى لا يغتسل معنا عريانًا، وكان في شريعتهم أنه يجوز للرجل أن يغتسل عريانًا مع الرجال، فقد أخرج البخاري في كتاب الغسل، باب: من اغتسل عريانًا وحده: أن بني إسرائيل قالوا: إن موسى لا يغتسل معنا عريانًا، فهو مريض بكذا، وأشاعوا ذلك، فنزل يومًا يغتسل وترك ملابسه على حجر، فإذا بالحجر ينطلق بملابسه، فخرج موسى من البح

13 / 7