طبقات کبریٰ للشعرانی
الطبقات الكبرى المسماة بلواقح الأنوار في طبقات الأخيار
ناشر
مكتبة محمد المليجي الكتبي وأخيه، مصر
اشاعت کا سال
1315 هـ
فتعجبهم أشد الإعجاب فيقولون سبحان من أنعم عليه، ورفع إليه سؤال في رجل حلف بالطلاق الثلاث إنه لا بد أن يعبد الله عز وجل عبادة ينفرد بها دون جميع الناس في وقت تلبسه بها فماذا يفعل من العبادات فأجاب على الفور يأتي مكة ويخلي له المطاف، ويطوف سبعا وحده، وينحل يمينه فأعجب علماء العراق، وكانوا قد عجزوا عن الجواب عنها، ورفع له شخص ادعى أنه يرى الله عز وجل بعيني رأسه فقال: أحق ما يقولون عنك. فقال: نعم فانتهره، ونهاه عن هذا القول، وأخذ عليه أن لا يعود إليه فقيل للشيخ أمحق هذا أم مبطل فقال هذا محق ملبس عليه، وذلك أنه شهد ببصيرته نور الجمال.
ثم خرق من بصيرته إلى بصره لمعة فرأى بصره ببصيرته، وبصيرته يتصل شعاعها بنور شهوده فظن أن بصره رأى ما شهده ببصيرته، وإنما رأى بصره ببصيرته فقط، وهو لا يدري قال الله تعالى مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان، وكان جمع من المشايخ، وأكابر العلماء حاضرين هذه الواقعة فأطربهم سماع هذا الكلام، ودهشوا من حسن إفصاحه عن حال الرجل، ومزق جماعة ثيابهم، وخرجوا عرايا إلى الصحراء، وكان رضي الله عنه يقول:
تراءى لي نور عظيم ملأ الأفق ثم تدلى فيه صورة تناديني يا عبد القادر أنا ربك، قد حللت تلك المحرمات فقلت اخسأ يا لعين فإذا ذلك النور ظلام، وتلك الصورة دخان ثم خاطبني يا عبد القادر نجوت مني بعلمك بأمر ربك، وفقهك في أحوال منازلاتك، ولقد أضللت بمثل هذه الواقعة سبعين من أهل الطريق فقلت لله الفضل فقيل له كيف علمت أنه شيطان قال بقوله وقد حللت لك المحرمات. وسئل رضي الله عنه عن صفات الموارد الإلهة، والطوارق الشيطانية فقال الوارد الإلهي لا يأتي باستدعاء، ولا يذهب بسبب، ولا يأتي على نمط واحد، ولا في وقت مخصوص، والطارق الشيطاني بخلاف ذلك غالبا. وسئل رضي الله عنه عن الهمة فقال: هي أن يتعرى العبد بنفسه عن حب الدنيا، وبروحه عن التعلق بالعقبى، وبقلبه عن إرادته مع إرادة المولى، ويتجرد بسره عن أن يلمح الكون أو يخطر على سره، وسئل رضي الله عنه عن البكاء فقال: ابك له وابك منه وابك عليه، ولا حرج.
وسئل رضي الله عنه عن الدنيا فقال: أخرجها من قلبك إلى يدك فإنها لا تضرك. وسئل رضي الله عنه عن الشكر فقال: حقيقة الشكر الاعتراف بنعمة المنعم على وجه الخضوع، ومشاهدة المنة، وحفظ الحرمة على وجه معرفة العجز عن الشكر وكان يقول: الفقير الصابر مع الله تعالى، أفضل من الغني الشاكر له والفقير الشاكر أفضل منهما والفقير الصابر الشاكر أفضل منهم وما خطب البلاء إلا من عرف المبلى وسئل رضي الله عنه عن حسن الخلق فقال هو أن لا يؤثر فيك جفاء الخلق بعد مطالعتك للحق واستصغار نفسك، وما منها معروفة بعيوبها، واستعظام الخلق، وما منهم نظروا إلى ما أودعوا من الإيمان والحكم. وسئل رضي الله عنه عن البقاء فقال: البقاء لا يكون إلا مع اللقاء واللقاء يكون كلمح البصر أو هو أقرب، ومن علامة أهل اللقاء أن لا يصحبهم في وصفهم به شيء فان لأنهما ضدان، وكان يقول متى ذكرته فأنت محب، ومتى سمعت ذكره لك فأنت محبوب، والخلق حجابك عن نفسك، ونفسك حجابك عن ربك، رما دمت ترى الخلق لا ترى نفسك، وما دمت ترى نفسك لا ترى ربك، ولما اشتهر أمره في الآفاق اجتمع مائة فقيه من أذكياء بغداد يمتحنونه في العلم فجمع كل واحد له مسائل، وجاء إليه فلما استقر بهم المجلس أطرق الشيخ فظهرت من صدره بارقة من نور فمرت على صدور المائة فمحت ما في قلوبهم فبهتوا، واضطربوا، وصاحوا صيحة، واحدة، ومزقوا ثيابهم، وكشفوا رؤوسهم ثم صعد الكرسي.
وأجاب الجميع عما كان عندهم فاعترفوا بفضله، وكان من أخلاقه أن يقف مع جلالة قدره الصغير، والجارية، ويجالس الفقراء ويفلي لهم ثيابهم وكان لا يقوم في لأحد من العظماء ولا أعيان الدولة، ولا ألم قط بباب وزير، ولا سلطان، وكان الشيخ علي بن الهيتي رضي الله عنه يقول عن الشيخ عبد القادر رضي الله عنه: كان قدمه على التفويض والموافقة مع التبري من الحول والقوة وكانت طريقته تجريد التوحيد وتوحيد التفريد مع الحضور في موقف العبودية لا بشيء ولا لشيء، وكان الشيخ عدي بن مسافر رضي الله عنه يقول: كان الشيخ عبد القادر رضي الله عنه طريقته الذبول تحت مجاري الأقدار بموافقة القلب والروح، واتخاد الباطن، والظاهر، وانسلاخه من صفات النفس مع الغيبة عن رؤية النفع، والضرر، والقرب والبعد، وكان الشيخ بقاء بن بطو رضي الله عنه يقول: كان طريق الشيخ عبد القادر رضي الله عنه اتحاد القول، والفعل، والنفس، والوقت ومعانقة الإخلاص،
صفحہ 109