لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية
لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية
ناشر
مؤسسة الخافقين ومكتبتها
ایڈیشن
الثانية
اشاعت کا سال
1402 ہجری
پبلشر کا مقام
دمشق
الِافْتِرَاقِ وَالِارْتِفَاعِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الذَّاتِ وَتَعَذُّرِ الِارْتِفَاعِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَمْرٍ خَارِجِيٍّ عَنْهَا، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ كُلُّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُمْكِنِ الْوُجُودِ، أَمَّا اللَّهُ تَعَالَى وَصِفَاتُهُ فَلَا يُقَالُ بِإِمْكَانِ رَفْعِ شَيْءٍ مِنْهَا لِتَعَذُّرِ رَفْعِهِ بِسَبَبِ وُجُوبِ وَجُودِهِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي بَحْثِ الصِّفَاتِ مَا يُرْشِدُ لِهَذَا.
«وَكُلُّ هَذَا» الْمَذْكُورُ وَأَضْعَافُهُ مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ «عِلْمُهُ» مَشْهُورٌ عِنْدَ أَرْبَابِ الْفَنِّ «مُحَقَّقٌ»، وَحَيْثُ كَانَ كَذَلِكَ فَلْنَقْتَصِرْ عَلَى هَذَا الْمِقْدَارِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ «فَلَمْ نُطِلْ بِهِ» أَيْ بِذِكْرِهِ، «وَلَمْ نُنَمِّقْ» مِنَ التَّنْمِيقِ وَهُوَ التَّحْسِينُ وَالتَّزْيِينُ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: نَمَّقَ الْكِتَابَ كَتَبَهُ وَنَمَّقَهُ تَنْمِيقًا حَسَّنَهُ وَزَيَّنَهُ بِالْكِتَابَةِ، وَيُقَالُ لِلشَّيْءِ الْمُرْوِحِ: فِيهِ نَمَقَةٌ - مُحَرَّكَةٌ -. إِذِ الْمَقْصُودُ إِنَّمَا هُوَ ذِكْرُ أُمَّهَاتِ مَسَائِلِ الْعَقَائِدِ السَّلَفِيَّةِ وَنَظْمُ فَرَائِدِ الْأُصُولِ الْأَثَرِيَّةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْهَا مَا لَعَلَّهُ يَكْفِي الْمُبْتَدِيَ وَيَشْفِي الْمُنْتَهِيَ وَيُكَمِّدُ الْمُعْتَدِيَ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ، ثُمَّ حَمِدْنَا اللَّهَ تَعَالَى عَوْدًا عَلَى بَدْءٍ فَقُلْنَا:
[التَّسْلِيمُ وَالِانْقِيَادُ وَالْمُثُولُ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى مُقْتَضَى النُّصُوصِ الْقُرْآنِيَّةِ وَالْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ]
«وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى التَّوْفِيقِ ... لِمَنْهَجِ الْحَقِّ عَلَى التَّحْقِيقِ»
«مُسَلِّمًا لِمُقْتَضَى الْحَدِيثِ ... وَالنَّصِّ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ»
«لَا أَعْتَنِي بِغَيْرِ قَوْلِ السَّلَفِ ... مُوَافِقًا أَئِمَّتِي وَسَلَفِي»
«وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى التَّوْفِيقِ» وَهَذَا حَمْدٌ فِي مُقَابَلَةِ نِعْمَةِ التَّأْهِيلِ لِهَذَا الْفَضْلِ الْجَزِيلِ وَالْمَشْرَبِ الصَّافِي مِنْ يَنْبُوعِ التَّنْزِيلِ مِنْ غَيْرِ إِلْحَادٍ وَلَا تَأْوِيلٍ وَلَا تَشْبِيهٍ وَلَا تَعْطِيلٍ، وَالتَّوْفِيقُ تَسْهِيلُ سَبِيلِ الْخَيْرِ وَالطَّاعَةِ. قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ شَرْحِ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ: قَدْ أَجْمَعَ الْعَارِفُونَ بِاللَّهِ أَنَّ التَّوْفِيقَ أَنْ لَا يَكِلَكَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى نَفْسِكَ، وَالْخِذْلَانُ ضِدُّهُ وَهُوَ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا، فَالْعَبِيدُ مُتَقَلِّبُونَ بَيْنَ تَوْفِيقِهِ وَخِذْلَانِهِ، بَلِ الْعَبْدُ فِي السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ يَنَالُ نَصِيبَهُ مِنْ هَذَا وَهَذَا، فَيُطِيعُ مَوْلَاهُ وَيُرْضِيهِ وَيَذْكُرُهُ وَيَشْكُرُهُ بِتَوْفِيقِهِ، ثُمَّ يَعْصِيهِ وَيُخَالِفُهُ وَيُسْخِطُهُ وَيَغْفُلُ عَنْهُ بِخِذْلَانِهِ لَهُ، فَهُوَ دَائِرٌ بَيْنَ تَوْفِيقِهِ وَخِذْلَانِهِ، فَإِنْ وَفَّقَهُ فَبِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ وَإِنْ خَذَلَهُ فَبِعَدْلِهِ وَحِكْمَتِهِ، وَهُوَ سُبْحَانُهُ الْمَحْمُودُ فِي هَذَا وَهَذَا لَهُ أَتَمُّ حَمْدٍ وَأَكْمَلَهُ، لَمْ يَمْنَعِ الْعَبْدَ شَيْئًا هُوَ لَهُ وَإِنَّمَا مَنَعَهُ مَا هُوَ مُجَرَّدُ فَضْلِهِ وَعَطَائِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ حَيْثُ يَضَعُهُ وَأَيْنَ يَجْعَلُهُ.
قَالَ: فَمَتَى شَهِدَ الْعَبْدُ هَذَا الْمَشْهَدَ وَأَعْطَاهُ حَقَّهُ عَلِمَ ضَرُورَتَهُ وَفَاقَتَهُ
2 / 450