لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية
لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية
ناشر
مؤسسة الخافقين ومكتبتها
ایڈیشن
الثانية
اشاعت کا سال
1402 ہجری
پبلشر کا مقام
دمشق
لِلْبَشَرِ طَاعَاتٌ لَمْ يَثْبُتْ مِثْلُهَا (لِلْمَلَائِكَةِ) كَالْجِهَادِ وَالْغَزْوِ وَمُخَالَفَةِ الْهَوَى، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالصَّبْرِ عَلَى الْبَلَايَا وَالْمِحَنِ وَالرَّزَايَا، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُمْ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ وَيُبَشِّرُهُمْ بِإِحْلَالِ رِضْوَانِهِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَثْبُتْ مِثْلُ هَذَا لِلْمَلَائِكَةِ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْعُصَاةَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ دُونَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ، فَأَمَّا الْمُطِيعُونَ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمَلَائِكَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ: وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ فِي مُخْتَصَرِهِ فِي الْأُصُولِ بَعْدَ ذِكْرِ الْقَوْلَيْنِ، وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ مِنَّا: الْمُؤْمِنُ الطَّائِعُ أَفْضَلُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الرَّسُولَ أَفْضَلُ مِنَ الْمَلَكِ بِاعْتِبَارِ الرِّسَالَةِ لَا بِاعْتِبَارِ عُمُومِ الْأَوْصَافِ الْبَشَرِيَّةِ، وَلَوْ كَانَتِ الْبَشَرِيَّةُ بِمُجَرَّدِهَا أَفْضَلَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ (لَكَانَ كُلُّ الْبَشَرِ أَفْضَلَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ) وَمَعَاذَ اللَّهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ) قَدْ أَشَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ ذَهَبَتْ إِلَى تَفْضِيلِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الْبَشَرِ حَتَّى عَلَى الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ، وَاخْتَارَهُ مِنَ الْأَشَاعِرَةِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ وَأَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَائِنِيُّ وَالْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمُ وَالْحَلِيمِيُّ وَالْفَخْرُ الرَّازِيُّ فِي الْمَعَالِمِ دُونَ الْأَرْبَعِينَ وَأَبُو شَامَةَ، وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ وَاحْتَجُّوا بِحُجَجٍ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢] فَهَذَا يَقْتَضِي كَوْنَ الْمَلَائِكَةِ أَفْضَلَ مِنَ الْمَسِيحِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ: إِنَّ فُلَانًا لَا يَسْتَنْكِفُ الْوَزِيرُ مِنْ خِدْمَتِهِ وَلَا السُّلْطَانُ، وَلَا يُقَالُ: إِنَّهُ لَا يَسْتَنْكِفُ السُّلْطَانُ مِنْ خِدْمَتِهِ وَلَا الْوَزِيرُ؟ فَلَمَّا ذُكِرَ الْمَسِيحُ أَوَّلًا وَالْمَلَائِكَةُ ثَانِيًا عَلِمْنَا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ أَفْضَلُ مِنَ الْمَسِيحِ. وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ: (الْأَوَّلُ) أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ وَكَذَا إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ أَفْضَلُ مِنَ الْمَسِيحِ ﵇، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْمَلَائِكَةِ أَفْضَلَ مِنَ الْمَسِيحِ كَوْنُهُمْ أَفْضَلَ مِنْ مُحَمَّدٍ وَلَا مِنْ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. (الثَّانِي) أَنَّ قَوْلَهُ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ صِيغَةُ جَمْعٍ فَتَنَاوَلَ الْكُلَّ، فَهَذَا يَقْتَضِي كَوْنَ مَجْمُوعِ الْمَلَائِكَةِ أَفْضَلُ مِنَ الْمَسِيحِ، فَلِمَ قُلْتُمْ إِنَّهُ يَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَفْضَلَ مِنَ الْمَسِيحِ؟ (الثَّالِثُ) أَنَّ الْوَاوَ فِي قَوْلِهِ: وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ حَرْفُ عَطْفٍ، وَهُوَ إِنَّمَا يُفِيدُ الْجَمْعَ الْمُطْلَقَ لَا التَّرْتِيبَ، وَالْمِثَالُ الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ لَيْسَ
2 / 406