لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية
لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية
ناشر
مؤسسة الخافقين ومكتبتها
ایڈیشن
الثانية
اشاعت کا سال
1402 ہجری
پبلشر کا مقام
دمشق
وَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ أَئِمَّةُ الْحَقِّ مِنْ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ وَأُمَنَاءِ الْأُمَّةِ بِمَا يَقْمَعُ الْمُفْتَرِينَ وَيُقْلِعُ عَنِ الشَّاكِّينَ، مِنْهُمُ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِ الرُّوحِ فَإِنَّهُ أَجَابَ عَنْ ذَلِكَ بِعِدَّةِ أَجْوِبَةٍ (مِنْهَا) أَنَّ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ تُخْبِرْ بِمَا تُحِيلُهُ الْعُقُولُ بَلْ أَخْبَارُهُمْ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا مَا يَشْهَدُ الْعَقْلُ وَالْفِطْرَةُ السَّلِيمَةُ بِهِ وَالثَّانِي: مَا لَا تُدْرِكُهُ الْعُقُولُ بِمُجَرَّدِهَا كَالْغُيُوبِ الَّتِي أَخْبَرُوا بِهَا عَنْ تَفَاصِيلِ الْبَرْزَخِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ فَلَا يَكُونُ خَبَرُهُمْ مُحَالًا فِي الْعُقُولِ أَصْلًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا تَأْتِي بِمُحَالَاتِ الْعُقُولِ بَلْ بِمُحَارَاتِهَا فَكُلُّ خَبَرٍ يُظَنُّ أَنَّ الْعَقْلَ يُحِيلُهُ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إِمَّا خَطَأٌ فِي النَّقْلِ أَوْ فَسَادٌ فِي الْعَقْلِ فَتَكُونُ شُبْهَةٌ خَيَالِيَّةٌ ظَنَّ صَاحِبُهَا أَنَّهَا أَمْرٌ عَقْلِيٌّ صَرِيحٌ وَالْحَالُ أَنَّهُ خَيَالٌ وَهْمِيٌّ غَيْرُ صَحِيحٍ قَالَ تَعَالَى ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٦] وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَلَا يَزْدَادُونَ إِلَّا رِجْسًا عَلَى رِجْسِهِمْ.
(وَمِنْهَا) أَنْ يُضَمَّ إِلَى خَبَرِ الرَّسُولِ مُرَادُهُ مِنْ غَيْرِ غُلُوٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ وَلَا يُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى مَا لَا يَحْتَمِلُهُ وَلَا يُقَصَّرُ بِهِ عَنْ مُرَادِهِ وَعَمَّا قَصَدَهُ مِنَ الْهُدَى وَالْبَيَانِ وَبِإِهْمَالِ ذَلِكَ حَصَلَ مَا حَصَلَ مِنَ الضَّلَالِ وَالْعُدُولِ عَنْ نَهْجِ الصَّوَابِ.
(وَمِنْهَا) أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ الدُّورَ ثَلَاثَةً، دَارَ الدُّنْيَا وَدَارَ الْبَرْزَخِ وَدَارَ الْقَرَارِ، وَجَعَلَ لِكُلِّ دَارٍ أَحْكَامًا تَخْتَصُّ بِهَا، وَرَكَّبَ هَذَا الْإِنْسَانَ مِنْ بَدَنٍ وَنَفْسٍ وَجَعَلَ أَحْكَامَ الدُّنْيَا عَلَى الْأَبْدَانِ، وَالْأَرْوَاحُ تَبَعٌ لَهَا، وَلِهَذَا جَعَلَ أَحْكَامَ الشَّرِيعَةِ مُرَتَّبَةً عَلَى مَا يَظْهَرُ مِنْ حَرَكَاتِ الْإِنْسَانِ وَالْجَوَارِحِ وَإِنْ أَضْمَرَتِ النُّفُوسُ خِلَافَهُ، فَالْعُقُوبَاتُ الدُّنْيَوِيَّةُ تَقَعُ عَلَى الْبَدَنِ الظَّاهِرِ وَتَتَأَلَّمُ الرُّوحُ بِالتَّبَعِيَّةِ، وَجَعَلَ أَحْكَامَ الْبَرْزَخِ عَلَى الْأَرْوَاحِ، وَالْأَبْدَانُ تَبَعٌ لَهَا، فَكَمَا تَبِعَتِ الْأَرْوَاحُ الْأَبْدَانَ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا فَتَأَلَّمَتْ بِأَلَمِهَا وَالْتَذَّتْ بِرَاحَتِهَا وَلَذَّتِهَا وَكَانَتْ هِيَ الْمُبَاشِرَةَ لِأَسْبَابِ النَّعِيمِ وَالْعَذَابِ فَكَذَلِكَ تَبِعَتِ الْأَبْدَانُ الْأَرْوَاحَ فِي نَعِيمِهَا وَعَذَابِهَا وَكَانَ الْعَذَابُ وَالنَّعِيمُ عَلَى الرُّوحِ وَلَهَا بِالْأَصَالَةِ وَالْبَدَنُ تَابِعٌ لِلرُّوحِ فِي ذَلِكَ عَكْسُ دَارِ الدُّنْيَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ حَشْرِ الْأَجْسَادِ وَقِيَامِ النَّاسِ مِنْ قُبُورِهِمْ لِدَارِ الْقَرَارِ وَالْمَعَادِ صَارَ الْحُكْمُ مِنَ النَّعِيمِ وَالْعَذَابِ وَغَيْرِهِمَا عَلَى الْأَرْوَاحِ وَالْأَجْسَادِ بَادِيًا ظَاهِرًا أَصْلًا وَمَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ
2 / 21