لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية
لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية
ناشر
مؤسسة الخافقين ومكتبتها
ایڈیشن
الثانية
اشاعت کا سال
1402 ہجری
پبلشر کا مقام
دمشق
[التَّنْبِيهُ الخامس التوبة من مظالم العباد]
«الْخَامِسُ:»
مَنِ اغْتَابَ إِنْسَانًا، أَوْ قَذَفَهُ وَنَحْوَهُ، هَلْ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ تَوْبَتِهِ إِعْلَامُهُ بِذَلِكَ وَاسْتِحْلَالُهُ مِنْ ذَلِكَ؟ أَمَّا الْمَالُ وَمَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَاضَ عَنْهُ بِمِثْلِهِ، أَوْ قِيمَتِهِ، فَلَا بُدَّ مِنَ الرَّدِّ إِنْ قَدَرَ، قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: مَظَالِمُ الْعِبَادِ تَصِحُّ التَّوْبَةُ مِنْهَا عَلَى الصَّحِيحِ فِي الْمَذْهَبِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمَنْ مَاتَ نَادِمًا عَلَيْهَا كَانَ اللَّهُ ﷿ الْمُجَازِيَ لِلْمَظْلُومِ عَنْهُ - يَعْنِي حَيْثُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى رَدِّ الْمَظْلَمَةِ - وَفِي الْخَبَرِ: " «لَا يَدْخُلُ النَّارَ تَائِبٌ مِنْ ذُنُوبِهِ» ". وَفِي الرِّعَايَةِ: يَرُدُّ مَا أَثِمَ بِهِ وَتَابَ بِسَبَبِهِ بِبَذْلِهِ إِلَى مُسْتَحِقِّيهِ، وَيَنْوِي ذَلِكَ إِذَا أَمْكَنَهُ، أَوْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ فِي الْحَالِ، فَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لَا يَجِبُ الْإِعْلَامُ وَلَا الِاسْتِحْلَالُ، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: إِنَّهُ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ، وَإِنَّهُ إِنْ تَابَ مِنْ قَذْفِ إِنْسَانٍ، أَوْ غِيبَتِهِ قَبْلَ عِلْمِهِ بِهِ، لَا يُشْتَرَطُ لِتَوْبَتِهِ إِعْلَامُهُ، وَالتَّحَلُّلُ مِنْهُ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي لِمَا رَوَى أَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ مَرْفُوعًا " «مَنِ اغْتَابَ رَجُلًا ثُمَّ اسْتَغْفَرَ لَهُ بَعْدُ غُفِرَ لَهُ غِيبَتُهُ» " وَبِإِسْنَادِهِ أَيْضًا عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا " «كَفَّارَةُ مَنُ اغْتِيبَ أَنْ يُسْتَغْفَرَ لَهُ» " وَلِأَنَّ فِي إِعْلَامِهِ إِدْخَالُ غَمٍّ عَلَيْهِ، قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ - قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ - فِي الْغِيبَةِ: إِنَّ كَفَّارَةَ الِاغْتِيَابِ مَا رَوَى أَنَسٌ ﵁ وَذَكَرَهُ. وَخَبَرُ أَنَسٍ الْمَذْكُورُ ذَكَرَهُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ، وَفِيهِ عَنْبَسَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَتْرُوكٌ، وَذَكَرَ مِثْلَهُ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَفِيهِ سُلَيْمَانُ بْنُ عَمْرٍو كَذَّابٌ. وَمِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَفِيهِ حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْأُبُلِّيُّ مَتْرُوكٌ. وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَيْضًا حَدِيثَ أَنَسٍ فِي كِتَابِهِ الْحَدَائِقِ، وَقَالَ: إِنَّهُ لَا يَذْكُرُ فِيهَا إِلَّا الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ. قُلْتُ: وَقَدْ ذَكَرَ فِي مُخْتَصَرِ الْمَوْضُوعَاتِ أَنَّ حَدِيثَ أَنَسٍ ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ، وَقَالَ: فِي هَذَا الْإِسْنَادِ ضَعْفٌ، وَلَهُ شَاهِدٌ عَنِ الْإِمَامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ مِنْ قَوْلِهِ، أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ، وَأَوْرَدَ لَهُ شَاهِدًا حَدِيثَ حُذَيْفَةَ: «كَانَ فِي لِسَانِي ذَرَبٌ عَلَى أَهْلِي فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: " أَيْنَ أَنْتَ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ» " ثُمَّ أَوَّلَهُ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالِاسْتِغْفَارِ رَجَاءَ أَنْ يَرْضَى عَنْهُ خَصْمُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِبَرَكَةِ اسْتِغْفَارِهِ.
وَذَكَرَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ الْكَلِمِ الطَّيِّبِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ مَا لَفْظُهُ: يُذْكَرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ كَفَّارَةَ الْغِيبَةِ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لِمَنِ اغْتَبْتَهُ تَقُولُ:
1 / 385