707

قال رضوان الله عليه في وصف ملائكة الله المقربين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين : ثم خلق سبحانه لإسكان سماواته، وعمارة الصفيح الأعلى من ملكوته، خلقا بديعا من ملائكته، ملأبهم فروج فجاجها، وحشى بهم فتوق أجوائها؛ وبين فجوات تلك الفروج زجل المسبحين منهم في حضائر /164 القدس، وسترات الحجب، وسرادقات المجد؛ ووراء ذلك الرجيج، الزلزلة والاضطراب، الذي تستك منه الأسماع، سبحات نور تردع الأبصار عن بلوغها، فتقف خاسئة على حدودها؛ أنشأهم على صور مختلفات، وأقدار متفاوتات، أولي أجنحة تسبح جلال عزته، لاينتحلون ما ظهر في الخلق من صنعته، ولا يدعون أنهم يخلقون شيئا مما انفرد به؛ بل عباد مكرمون، لايسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون؛ جعلهم الله فيما هنالك، أهل الأمانة على وحيه، وحملهم إلى المرسلين ودائع أمره ونهيه، وعصمهم من ريب الشبهات، فما منهم زائغ عن سبيل مرضاته، وأمدهم بفوائد المعونة، وأشعر قلوبهم تواضح إخبات السكينة، وفتح لهم أبوابا ذللا إلى تماجيده، ونصب لهم منارا واضحا على أعلام توحيده؛ لم تثقلهم موصرات الآثام، ولم تحلهم عقب الليالي والأيام، ولم ترم الشكوك بنوازعها عزيمة إيمانهم، ولم تعترك الظنون على معاقد يقينهم.

إلى قوله، في وصفهم صلوات الله عليهم : ومنهم: من هو في خلق الغمام الدلح، وفي عظم الجبال الشمخ، وفي قترة الظلام الأبهم؛ ومنهم: من قد خرقت أقدامهم تخوم الأرض السفلى، فهي كرايات بيض قد نفذت في مخارق الهواء، وتحتها ريح هفافة تحبسها، حيث انتهت من الحدود المتناهية.

إلى قوله رضوان الله عليه : فهم أسراء إيمان، لم يفكهم من ربقته زيغ ولا عدول، ولا ونى ولافتور، وليس في أطباق السماء موضع إهاب، إلا وعليه ملك ساجد، أو ساع حافد، يزدادون على طول الطاعة بربهم علما، وتزداد عزة ربهم في قلوبهم عظما.

إلى آخر ذلك الكلام الفائق، الذي لايحسن في وصفه إلا ماقاله الأعلام: هو فوق كلام المخلوق، ودون كلام الخالق.

وقد سقت هذا القدر منه لمحله في هذا الباب، ولاتخفى مواضع الحجة فيه على الناظر من أولي الألباب. /165

صفحہ 165