ربما كان النقش في الخشب بالحفر أحسن فروع الفن الفاطمي حظا، في وفرة النماذج التي وصلت إلينا منه، فبينما لا نعرف في سائر الصناعات نماذج كثيرة من الطراز الأول، تعبر حق التعبير عما كانت عليه تلك الصناعات من تقدم وازدهار، إذ نرى المتاحف والمجموعات الأثرية الخاصة، والمساجد، والكنائس القبطية، تضم بين جدرانها تحفا خشبية، لا تزال في حالة جيدة من الحفظ، ويمكن في الوقت نفسه معرفة التاريخ الذي صنعت فيه؛ إما بما عليها من كتابات، أو بتاريخ المساجد والقصور والكنائس التي استخدمت فيها، والتي تحمل على القول بأن هذه القطع لم تكن من النماذج العادية، وفضلا عن ذلك كله، فإن النتائج التي حصلنا عليها من دراسة هذه القطع المؤرخة، أو التي يمكن معرفة تاريخها، تجعل من اليسير علينا أن نتبين أن بعض التحف الخشبية المعروفة ترجع إلى العصر الفاطمي؛ لأنها من نفس طراز القطع السالفة الذكر.
ومهما يكن من شيء فإن المصريين عنوا بإتقان صناعة النجارة والنقش في الخشب بالحفر منذ الأزمنة القديمة، كما تشهد بذلك التحف الخشبية المحفوظة في المتحفين المصري والقبطي، وهذا كله على الرغم من أن مصر كانت ولا تزال فقيرة في إنتاج الخشب، ولا سيما ما يصلح منه للحفر والزخرفة والأعمال التي تتطلب متانة النوع ودقة الصنعة، فالواقع أن ما في وادي النيل من الخشب كالجميز، والسنط، والنبق، والسرور، والزيتون، لا يصلح إلا لأعمال النجارة البسيطة.
فالمصريون إذن كانوا يعتمدون إلى درجة كبيرة على الأنواع الطيبة من الخشب الذي كانوا يستوردونه من الأقطار المجاورة، كالأرز والصنوبر، من أسيا الصغرى وسورية، والتك من الهند، والآبنوس من السودان، وكانت بلدان أوروبا الجنوبية من المصادر التي أمدت مصر بالخشب في العصور الوسطى.
319
وعلى كل حال فقد كان للخشب في الفسطاط أسواق عامرة منذ العصر الطولوني،
320
وأخذت الحكومة منذ قيام الدولة الفاطمية تعني بالغابات وزرع الأشجار، وحق أنها كانت ترمي بذلك إلى استخراج الخشب اللازم لمراكب الأسطول؛ ولكن جزءا كبيرا من الخشب الذي أمكن إنتاجه استخدم في صناعة الأثاث وأعمال العمارة.
321
وقد ذكرنا في الجزء الأول من كتابنا عن الفن الإسلامي في مصر (ص92) أن الأخشاب ذات الزخارف المحفورة كان لها شأن خطير في تأثيث الكنائس والأبنية القبطية وتزيينها، وأن المسلمين لم يحتاجوا إلى استخدام الخشب في مساجدهم بمثل هذه الوفرة؛ فإن جل استعمالهم إياه كان في عمل السقوف، والأبواب، والمنابر، والدكك، وأشرطة الكتابة التاريخية أو الزخرفية، وفي صناعة القباب أو تقويتها، وفي ربط القوائم والأعمدة ببعضها، كما استخدموه إبان العصر الفاطمي في صناعة محاريب غير ثابتة.
وقد تحدثنا في الكتاب المذكور عن التحف الخشبية التي يرجع تاريخها إلى عصر الانتقال من الطراز القبطي إلى الطراز الإسلامي، وعن التحف الخشبية الطولونية، وتأثرها بطراز سامرا فلا محل للرجوع إلى ذلك هنا.
نامعلوم صفحہ